ما معنى (وأضله الله على علم)؟ وكيف؟ ولماذا؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : العلاقة بالقرآن
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 37
  • رقم الاستشارة : 5544
09/08/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كنت أقرأ القرآن، ومرت علي آية: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكرُونَ)، أردت فهمها فقرأت في أحد التفاسير لكني لم أستطع فهمها. فكيف يُضل الله شخصًا وهو في نفس الوقت على علم؟ وما معنى الختم على السمع والقلب؟ ولماذا يفعل الله في إنسان ذلك؟

الإجابة 09/08/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أختنا الكريمة، وأشكرك على تواصلك معنا، وعلى حرصك على تدبر كتاب الله -عز وجل- والفهم العميق لآياته. أسأل الله أن يفتح عليك فتوح العارفين، وأن ينير قلبك بنور القرآن، وأن يرزقك العلم النافع والعمل الصالح والثبات على الحق، وبعد...

 

فإن قراءة القرآن بتدبر وتأمل هي من أعظم القربات التي يتقرب بها العبد إلى ربه، وقد يُشكل على القارئ أحيانًا فهم بعض الآيات لشدة عمق معانيها وتعدد دلالاتها.

 

والآية الكريمة التي وقفتِ عندها هي الآية 23 من سورة الجاثية: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكرُونَ﴾، وهي آية عظيمة تشخص مرضًا نفسيًّا وإيمانيًّا خطيرًا يصيب بعض النفوس، وتكشف عن سنة إلهية جارية في الخلق.

 

كيف يُضل الله شخصًا على علم؟

 

بيَّن المفسرون وأهل العلم لقوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾ وجهين رئيسين، كلاهما يكمل الآخر:

 

- العلم من جانب الإنسان: أي أن هذا الإنسان قد قامت عليه الحُجة البالغة، ووصله العلم والبرهان والدليل الذي يجعله يعرف الحق تمامًا ويفرِّق بينه وبين الباطل، ولكنه رغب عن هذا العلم وقدَّم هواه ومصلحته ودنياه عليه. فالعلم هنا لم ينفعه؛ لأنه لم يصحبه عمل ولا إخلاص ولا انقياد.

 

ومثال ذلك: العالم الذي يعلم حكم الله تمام العلم؛ لكنه يخالفه إرضاءً لشهوة نفس، أو رغبة في جاه، أو تعصبًا لمذهب؛ فهو يضل ويعصي وهو يعلم خطأ ما يفعل.

 

- العلم من جانب الله تعالى: أي أن الله -سبحانه- أضل هذا الإنسان بسبق علمه فيه؛ أي لعلم الله -عز وجل- بأن هذا العبد لا يصلح للهدى، وأن قلبه خبيث يتجه دائمًا للباطل، وأنه لو جاءته كل آية فلن يؤمن لشدة استكباره وإصراره. كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: 23].

 

ما معنى الختم على السمع والقلب والغشاوة على البصر؟

 

الختم (ويسمى أيضًا الطَّبع أو الرَّين) والغشاوة، هي عقوبات معنوية ونفسية تصيب منافذ الإدراك لدى الإنسان، وذلك عندما يصر على المعصية ويستكبر عن قبول الحق.

 

فالختم على السمع ليس معناه الصمم العضوي، بل إن أذن هذا الشخص تصبح عاجزة عن الاستماع والتدبر النافع؛ فهو يسمع الصوت والكلمات بأذنيه، لكنه لا ينتفع بها ولا تتأثر بها روحه.

 

والختم على القلب الذي هو مركز التدبر والفهم والإيمان، يعني إغلاقه بسبب تراكم الذنوب والهوى، فيصير صلبًا قاسيًا مُنكَّسًا لا يتأثر بالمواعظ ولا تدخله أنوار الإيمان، كما قال النبي ﷺ: « تُعرَضُ الفِتَنُ على القُلوبِ عَرْضَ الحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فأيُّ قلبٍ أُشْرِبَها نُكِتَتْ فيه نُكتةٌ سَوداءُ، وأيُّ قلبٍ أنْكَرَها نُكِتَتْ فيه نُكتةٌ بيضاءُ، حتى يصِيرَ القلبُ أبيضَ مثلَ الصَّفا، لا تَضُرُّه فِتنةٌ ما دامَتِ السمواتُ والأرضُ، والآخَرُ أسودَ مُربَدًّا كالكُوزِ مُجَخِّيًا، لا يَعرِفُ مَعروفًا، ولا يُنكِرُ مُنكَرًا، إلا ما أُشْرِبَ من هَواه » [رواه مسلم].

 

والغشاوة على البصر، هي الغطاء المعنوي على البصيرة؛ فلا يرى الآيات والكون وعظمة الله بنظر الاعتبار والتفكر، بل يراها مجرد ظواهر مادية عابرة.

 

لماذا يفعل الله ذلك بإنسان؟

 

حاشا لله -عز وجل- أن يُضل أي إنسان ظالمًا له، فهو -سبحانه- المنزَّه عن الظلم مطلقًا، كما قال: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكن كانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: 33]، وقال في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكمْ مُحَرَّمًا، فَلاَ تَظَالَمُوا» [رواه مسلم].

 

إن الختم والإضلال لم يأتيا من الله -تعالى- ابتداءً ولا طغيانًا، وإنما كانا عقوبة وجزاءً وفاقًا لاختيار الإنسان المسبق وموقفه في الإعراض عن الحق. فالقاعدة الإلهية العادلة تقول: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: 5].

 

فحين اختار الإنسان بملء إرادته أن يجعل هواه هو إلهه المعظَّم، ورفض الحق بعدما تبيَّن له، تخلى عنه التوفيق الإلهي واستحق العقوبة، فتركه الله إلى ما اختاره لنفسه، حُكمًا وعدلًا.

 

أمثلة توضيحية

 

- أمية بن أبي الصلت: كان شاعرًا كبيرًا في الجاهلية، وكان يعلم من كُتب أهل الكتاب أن نبيًّا سيبعث، وكان يتمنى أن يكون هو ذلك النبي. فلما بُعث النبي محمد ﷺ وعرف أنه الحق، منعه كبره وهواه وحسده من الإيمان، فقال عنه النبي ﷺ: «آمَنَ شِعْرُهُ وَكفَرَ قَلْبُهُ» [رواه ابن ماجة]. فهذا مثال حي لمن أضله الله على علم.

 

- أبو جهل (عمرو بن هشام): كان يعلم صدق النبي ﷺ، ويقرُّ بذلك في المجالس الخاصة، وحين سُئل: لماذا لا تؤمن به؟ قال: «تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف: أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا كنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك مثل هذه؟ والله لا نؤمن به أبدًا ولا نصدقه!». فهنا اتخذ إلهه هواه وكبره، فأضله الله على علم.

 

توصيات عملية للنجاة من اتباع الهوى والختم

 

1- الدعاء والتضرع بالثبات: الإكثار من دعاء النبي ﷺ: «يا مقلب القلوب ثبِّت قلبي على دينك» [رواه الترمذي].

 

2- تقديم الشرع على الهوى والرأي: تدريب النفس على الانقياد لأوامر الله وتجنب مناهيه حتى وإن خالفت هوانا وآراءنا ورغباتنا.

 

3- التوبة والاستغفار الدائمين: لأن الذنوب تجمع الرَّيْن على القلب، والاستغفار يجلو القلب وينقيه.

 

4- إقران العلم بالعمل: فلا يقف الإنسان عند مجرد المعرفة النظرية، بل يترجم ما يعلمه من الحق إلى سلوك وطاعة.

 

5- الصحبة الصالحة الناصحة: التي تعين على الحق، وتذكِّر المرء إذا نسي أو حاد عن الطريق.

 

وختامًا، أختنا الكريمة، إن الله تعالى رحيم بعباده، لا يُضل إلا من استحق الإضلال بإعراضه واستكباره، ولا يختم على قلب إلا إذا أغلقه صاحبه هو بنفسه أمام أنوار الهداية. فدمتِ موفقة، وأدام الله عليك شغف العلم وتدبر القرآن. وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

روابط ذات صلة:

من أسباب الضلال.. الذنوب والمعاصي

الضلال والجحود بين أسباب دينية ودنيوية

سُنة الله في الهدى والضلال.. مفهومها ومدى الاستفادة منها(1)

الرابط المختصر :