هل الاكتفاء بالفرائض والاستمتاع بالمباحات تقصير نُلام عليه؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : روح العبادات
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 21
  • رقم الاستشارة : 5892
20/09/2026

السلام عليكم..

أنا شابة، منَّ الله عليَّ بنفسية محبة للحياة وإقبال على المباحات والطيبات، وأحرص دائمًا على صيانة نفسي من الهموم والأحزان، فلا أسمح للمشكلات أو كدر الحياة أن يعكر صفو مزاجي أو يكسر شغفي.

ومع ذلك أحرص أشد الحرص على أداء الفرائض؛ فأحافظ على الصلوات الخمس في أوقاتها، وأصوم رمضان، وألتزم بالحجاب الشرعي، وأبتعد عن المحرمات. لكنني مقصرة في النوافل والمستحبات؛ فلا أصلي السنن إلا نادرًا، ولا أصوم تطوعًا.

بعض صديقاتي الملتزمات يكررن نقدي على هذا النمط من الحياة، ويرين أن المسلمة الصادقة يجب أن يملأ قلبها الخوف الدائم من الله والحزن المستمر على التقصير، وأن الأصل في حياة المؤمن هو الزهد والتخفف من متع الدنيا والمباحات.

فهل اقتصاري على الفرائض والواجبات مع ترك النوافل والاستمتاع بالمباحات يوقعني في الإثم أو يجعلني مقصرة في حق الله؟

وهل يلزم أن يعيش المسلم في حالة دائمة من الخوف والحزن والابتعاد عن متع الدنيا؟

مع خالص الشكر.

 

الإجابة 20/09/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك يا ابنتي، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله العلي القدير أن يديم عليك نعمة انشراح الصدر وطمأنينة القلب، وأن يحفظك بحفظه، ويزيدك هدى وتوفيقًا وسعادة في الدنيا والآخرة، وبعد...

 

فقد سعدت كثيرًا برسالتك التي تعكس روحًا إيجابية وإقبالًا فطريًا سويًّا على الحياة، مع حرص أكيد على أركان الدين وفرائضه. وإن ما تشعرين به من حب للطيبات مع المحافظة على حدود الله لهو أصل أصيل في منهج الإسلام المتوازن.

 

حكم الاقتصار على الفرائض والاستمتاع بالمباحات

 

إن اقتصارك على أداء الفرائض والواجبات، مع اجتناب المحرمات والاستمتاع بالأمور المباحة والطيبات، لا يوقعك في الإثم مطلقًا، ولا يجعلك مقصرة تقصيرًا تُعاقَبين عليه شرعًا.

 

فالفرائض هي الحد الأدنى الذي افترضه الله على العباد لنيل رضوانه ودخول جنته. والأصل في الدين هو التيسير ورفع الحرج؛ وقد جاء رجل من أهل البادية إلى النبي يسأله عن شرائع الإسلام، فلما أخبره بالصلوات الخمس وصيام رمضان والزكاة، قال الرجل: «والله لا أزيد على هذا ولا أنقص»، فقال النبي: «أفلح إن صدق» [متفق عليه]، وفي رواية أخرى: «من سرَّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا» [رواه البخاري].

 

وقد أكد الحديث القدسي العظيم هذا المعنى؛ حيث قال الله عز وجل: «وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضتُ عليه» [رواه البخاري]. فجعل الله -تعالى- أداء الفرائض أعظم وأحب ما يتقرب به العبد إليه.

 

أما المباحات والطيبات، فقد خلقها الله لنستمتع بها ونستعين بها على طاعته، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32]. ولا يُعاب المرء على التمتع بها ما دامت في حدود الشرع ولم تشغله عن واجب.

 

أما النوافل والمستحبات، فهي جبر للنقص وتثقيل للموازين وزيادة في القربات، وتركها لا يترتب عليه إثم ولا عقاب، وإن كان الأفضل للمسلم ألا يفرِّط فيها بالكلية متى ما وجد في نفسه نشاطًا؛ حتى لا يحرم نفسه من ثوابها العظيم الذي هو أحوج ما يكون إليه.

 

النظرة الشرعية للخوف والحزن ومتع الدنيا

 

لا يلزم المسلم أبدًا أن يعيش في حالة دائمة من الخوف والحزن والابتعاد عن متع الدنيا؛ بل إن الحزن ليس مقصودًا بذاته في الشريعة، ولم يأتِ الأمر به في القرآن الكريم إلا مقترنًا بالنهي عنه أو النفي له، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]؛ بل إن الحزن المستمر من مداخل الشيطان لكسر همة المؤمن، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزَنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة: 10].

 

والفهم الصحيح للعبادة ينفي التكلف والتشدد والمبالغة؛ فقد جاء ثلاثة رهط إلى بيوت النبي يسألون عن عبادته، فلما أُخبروا بها كأنهم تقالُّوها، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال الآخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الثالث: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا. فجاء رسول الله r إليهم فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له؛ لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» [رواه البخاري].

 

كما شكا الصحابي الجليل حنظلة رضي الله عنه للنبي تغيُّر حاله؛ فإذا كان عند النبي تذكر الجنة والنار كأنه يراهما رأي عين، وإذا عاد إلى بيته وخالط الزوجات والأولاد وأمور الدنيا نسي كثيرًا، وظن أن ذلك نفاقًا، فقال له النبي: «والذي نفسي بيده، إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذِّكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة» [رواه مسلم].

 

فالخوف المطلوب شرعًا هو الخوف المتوازن الذي يزجر عن المعصية، لا الخوف الذي يورث القنوط والتشاؤم. والمؤمن يسير إلى الله بين جناحَي الخوف والرجاء، مع غلبة حسن الظن بالله والفرح بنعمته: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِك فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58].

 

اقتراحات عملية للتوازن والارتقاء

 

1- احتساب النية في المباحات: اجعلي لاستمتاعك بالطيبات وترويحك عن نفسك نيةً صالحة، كالتقوِّي على طاعة الله، ونشر الإيجابية والسرور فيمن حولك، فـ«تَبَسُّمُك فِي وَجْهِ أَخِيك لَك صَدَقَةٌ» [رواه الترمذي].

 

2- الحذر من الإسراف والتفريط: ينبغي أن تتنبهي يا ابنتي إلى ضابط مهم يتعلق بالاعتدال في الاستمتاع بالطيبات، وعدم التوسع المبالغ فيه في المباحات، فالشريعة وإن أذنت لنا في الأخذ من متع الدنيا المباحة، فإنها حذَّرت من المبالغة والاستغراق الزائد فيها. فإن الاسترسال المفرط في المباحات قد يجر النفس -دون أن تشعر- إلى حالة من الغفلة وقسوة القلب، ويورث التثاقل عن الطاعات، وقد ينتهي المرء تدريجيًّا إلى التهاون في الفرائض والوقوع في الشبهات.

 

والتوازن الصحيح يقضي بأن يكون الترويح والاستمتاع بقدر الحاجة للترفيه عن النفس وتجديد نشاطها لأداء رسالتها في الحياة، دون أن تصبح المباحات همًّا شاغلًا يستنزف الأوقات؛ قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]. فالمطلوب هو الاقتصاد والاعتدال؛ بحيث تكون المباحات خادمة لإيمانك ومجددة لنشاطك، لا سببًا في فتور همتك أو غفلة قلبك عن ذكر الله.

 

3- قليل دائم من النوافل: اختاري نافلة خفيفة تثبتين عليها، كأن تصلِّي ركعتَي الفجر اللتين هما خير من الدنيا وما فيها، أو ركعة الوتر قبل النوم، وغيرها مما تستطيعين من السنن المؤكدة، فقد قال النبي: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل» [متفق عليه].

 

4- التلطُّف مع الصديقات: اشكري صديقاتك على حرصهن وخوفهن عليك، ووضحي لهن بأسلوب لطيف أن الدين يُسر وسعة، وأن سيرة النبي كان فيها التبسُّم والمزاح الطيب والأنس بالأهل والمباحات.

 

5- شكر النعم: عبادات الشكر، والرضا، وانشراح الصدر لنعم الله، من أعلى عبادات القلوب، فاستحضري دائمًا نعم الله عليك واشكريه عليها باللسان والعمل.

 

وختامًا يا ابنتي، أحييك على هذه النفسية المعتدلة، وأوصيك بالثبات على فرائضك واجتناب المحرمات، والتوازن وعدم الإسراف، ولا تدَعي خطابات التشدد تسلبك نعمة الفرح بالله والاستمتاع بما أحل لك.

 

أسأل الله -تعالى- أن يملأ قلبك بنور الإيمان، وأن يرزقك السعادة في الدارين، وأن يجعلك هادية مهدية، ويثبتك على الحق حتى تلقيه وهو راضٍ عنك، وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

روابط ذات صلة:

ما أثر الاستغراق في رفاهية الحياة في فتور الهمة الدعوية؟

كيف نجبر التقصير في النوافل بسبب ضغوط العمل؟

مشغول عن النوافل بتحصيل الرزق.. بشريات وحلول

كيف أحرص على صلاة النوافل وأواظب عليها؟

التعليقات

الرابط المختصر :