هل تغذي الرقمية عقلية القردة في الإنسان؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 19
  • رقم الاستشارة : 4434
25/03/2026

ما علاقة ما يسمى بعقلية القردة ومواقع التواصل الاجتماعي والرقمية والإنترنت؟ هل تغذي التكنولوجيا الرقمية هذه العقلية؟

الإجابة 25/03/2026

أخي الكريم، القضايا التي تثيرها الرقمية لا تتوقف ولن تنتهى قريبًا؛ فكل يوم تكشف الأبحاث والدراسات عن تأثير الرقمية المتنوع والعميق على الإنسان، ونجاحها في تغيير جزء كبير من تفكير الإنسان وعاداته بعدما تسربت إلى عقله ووجدانه وهيمنت على تفكير الكثير من الأجيال الصاعدة.

 

أما بخصوص استفساركم عن تغذية الرقمية لعقلية القردة في الإنسان المعاصر، فالواضح أن الرقمية لها تأثير كبير على تغذية هذه العقلية في الإنسان والتي ترمز إلى الرغبة في الاستمتاع المقرون بالتشتت وغياب الهدف والغاية، فكثافة ما تُلقيه وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الإنترنت وغيرها من مكونات الرقمية أمام عين الإنسان وعلى سمعه، أكبر من قدرة العقل على التعاطي معها بإيجابية ونقدها وتقييمها، وهذا ما جعل الشخص يتنقل بين مئات مقاطع الفيديو والأخبار كل ساعة دون هدف واضح من عملية التصفح سوى المتعة، وهو في ذلك يشبه القردة التي تقفز بين الأشجار بسرعة وخفة، دون هدف سوى اللعب والمتعة.

 

ما هي عقلية القردة؟

 

مصطلح "عقلية القردة" جاء من الثقافة البوذية، حيث رأت البوذية أن عقل الإنسان مليء بقرود ثملة تقفز هنا وهناك وتثرثر بلا توقف، وذلك لوصف حالة العقل المضطرب غير المستقر والمتقلب، فالقردة تقفز بين الأشجار بخفة وسرعة ودون هدف، ثم تعود إلى الأشجار التي قفزت منها، وهكذا دون أي هدف واضح.

 

وعقلية القردة تصف ذلك الإنسان الذي يتنقل بين ذكرياته وواقعه ومستقبله، ويتنقل بين قلقه وأحلامه وغضبه دون أن يثبت على حال، أو يخرج من ذلك التنقل بفائدة ذات قيمة.

 

ومن أبرز خصائص عقلية القردة:

 

* الثرثرة المستمرة: وهي تشير إلى كثرة الكلام بلا هدف، والحديث في موضوعات متعددة وغير مترابطة في وقت واحد، وطرح الأسئلة دون انتظار الحصول على إجابة، والكلام الخالي من المضمون والفائدة، وهناك من يرى أن تلك الثرثرة لها دور نفسي لتأكيد الأنا لدى الآخر.

 

* القلق المستمر: فلا يوجد ثبات على فعل أو شيء لإنجازه؛ ولذلك اقترح البعض أسلوب "حبس القرد" من خلال تدوين الأفكار أو قطع عوامل التشتت مع الإصرار على إنجاز هدف واحد لا أكثر.

 

ومن أبرز مقولات هذا القلق المستمر، هو سؤال "مــــاذا لـــــو؟" وهو سؤال تبكيتي تعجيزي، يستهلك الطاقة النفسية للإنسان لأنه يطرح التفكير الكارثي على ذهن الإنسان، ويدفعه إلى القفر بين سيناريوهات سيئة محبطة فيتأرجح بين القلق والتوتر الدائم، وهو ما أكدته الكاتبة "جينيفر شانون" في كتابها "لا تغذِّ عقل القرد"، حيث أشارت إلى أن العقل المشتت يزدهر فيه الخوف والقلق والتوتر، ووصفت عقلية القرد، وصفًا طريفًا، وهي أنها "دماغ قديم" يصعب السيطرة عليه، ومنه ينبع قلقنا وتوترنا، أما ما يؤدي في واقعنا حسب "شانون" إلى هذه التغذية المقلقة، فهو: المبالغة في توقع النتائج السلبية، والتقليل من قدرات الشخص في مواجهة التحديات، والتقدير المنخفض للموارد التي يمتلكها الشخص، والإحساس المفرط بالمسؤولية.

 

* التبديل غير المنتظم: بمعنى الانتقال السريع وغير المنطقي وغير المبرر بين الأشياء والأفكار والمواقف، وهذا يُنشئ حالة من التذبذب وعدم الاستقرار في ظل غياب اليقين.

 

عقلية القرد والرقمية

 

أخي الكريم، إن السمات السابقة لعقلية القرد، وغيرها تكاد أن تنطبق على ما تفعله الرقمية بعقول ووعي وإدراك الكثير من المستخدمين بكثافة لها، حيث يرى بعض المختصين في الرقمية وعلم النفس أن الإنترنت ما هو إلا إسقاط واسع لعقلية القرد في عالم الإنسان، وهذا ما سبب قلقًا في مجال علم النفس؛ لأن الرقمية كما يقولون "تُبعدنا عن أصواتنا الداخلية" لنتحول إلى أدوات تستقبل التلقين بدلاً من التعبير في إطار من التفاعل الإنساني الذي يُثري العقل والتجارب.

 

كما أن خضوع الإنسان في تعليمه وتجاربه للوسيط الرقمي يجبر الإنسان على الانفصال عن الواقع الفعلي، ومع الانفصال تتزايد قفزات الإنسان ونقراته في العالم الافتراضي ليتشبه بالقرد في سرعته وخفته وغياب هادفيته، وهو ما يغذي التشتت وقلة التركيز والفوضى الذهنية.

 

موضوعات ذات صلة:

هل التشتت أكبر أمراض العقل المعاصر؟

كيف تؤثر ثقافة الترند على خضوع العقل؟

الرموز البنفسجية.. لماذا يبحث العقل عن الغموض؟

الاسترخاء هل يفيد العقل؟ وكيف أتعلمه؟

هل بناء العادات مفيد للعقل والإبداع؟

الرابط المختصر :