الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : تاريخ وحضارة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
339 - رقم الاستشارة : 3511
07/12/2025
علم الإدارة يراه البعض من العلوم الحديثة التي نشأت في ظل الدولة الحديثة وهو علم أفادت منه البشرية جميعًا، وسؤالي: هل للحضارة الإسلامية عطاء في هذا العلم؟
أخي الكريم، علم الإدارة من العلوم الحديثة التي أفادت البشرية في تنظيم أعمالها وشؤونها ومواردها، وهو علم ساهم فيه الغربيون بدور رائد وجهود كبيرة.
الإدارة علم وفـن، ومن تعريفات علم الإدارة أنه هو عملية تنظيم وتنسيق الموارد (بشرية أو مادية) لتحقيق الأهداف بكفاءة وفعالية، ومن وظائفه: التخطيط، التنظيم، التوجيه، والرقابة، مما يساعد المؤسسات على العمل بسلاسة وتحقيق النجاح في بيئة مليئة بالتحديات.
وبراعة علم الإدارة أن يتمكن من تحقيق التوازن بين الأهداف وبين الإمكانات والموارد المتاحة، من خلال التنظيم، والقيادة، والقدرة على اتخاذ القرارت والتحفيز.
ونظرا لأهمية هذا العلم في الحياة الحديثة، فقد تنوعت مجالاته وتشعبت بشكل كبيرة، سواء في الإدارة الاستراتيجية أو الموارد البشرية والمالية أو الإدارة العامة والحكومية، إلى غيرها من المجالات.
كان ظهور هذا العلم في نهايات القرن التاسع عشر الميلادي، فيما يُعرف بالمنهج الكلاسيكي، حيث تم وضع عدة نظريات، منها: نظرية المبادئ الإدارية التي وضعها الفرنسي "هنري فايول" (المتوفى 1929م)، والطريف أن هذا الرائد كان أحد مهندسي التعدين، وصنف الإدارة إلى عدة وظائف أساسية هي: التنبؤ، والتخطيط، والتنظيم، والقيادة، والتنسيق، والرقابة.
وللحضارة الإسلامية مشاركات إبان قوتها وتألقها في هذا العلم، وساعم رواد مسلمون ببعض القواعد لتنظيم الإدارة الحكومية، وأبدعوا مجموعة من المصنفات، التي يتفق بعض أساسها مع ما أنتجه العلم الحديث.
تدبير الممالك
عرفت الحضارة الإسلامية تطورًا كبيرًا في الكثير من مجالات المعرفة، من بينها الإدارة، التي كان يطلق عليها "التدبير" أو "تدبير الممالك، أو "سياسة الملك".
كان من رواد علم الإدارة أو تدبير الممالك" "ابن أبي الربيع" أو شهاب الدين أحمد بن أبي الربيع، الذي عاش في القرن الثاني الهجري، والطريف أنه لم يُعرف له إلا كتاب واحد وهو "سلوك المالك في تدبير الممالك" الذي حققه وقام على دراسته الدكتور "حامد ربيع" أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، حيث أبدى ابن أبي الربيع اهتمامًا كبيرًا بالتدبير أو الإدارة، فكان يرى أن التدبير ما هو إلا رباط بين الحاكم والرعية، فالمَلك بنظره لا يستطيع لوحده تدبير شؤون مملكته، فلا بد له من أعوان وأتباع يساعدونه ويدبرون الأمر معه، ومنهم: الوزير، والكاتب والحاجب والقاضي وصاحب الشرطة، والجند... إلخ، وبيّن "ابن أبي الربيع" بالتفصيل الشروط الواجب توفرها في كل هؤلاء الذين يساعدون الملك أو يدبرون الأمر معه.
وقد حذّر "أبن أبي الربيع المَلكَ من ستة أشياء عليه الانتباه لها وتجنبها، وهي:
* مَنْ استوزر غير كاف، خاطر بملكه: وهي نصيحة تعني أن من يعيّن وزيرًا أو مستشارًا غير كفء، فإنه يعرّض ملكه أو سلطته للخطر، فعدم الكفاءة في المسؤوليات الكبرى يقود إلى الهلاك ويُعجل بالسقوط، ويدل على أهمية اختيار أهل الكفاءة في المناصب القيادية.
* مَنْ استشار غير أمين، أعان على هلكه: وهي تحذير للملوك والمسؤولين من اختيار مستشارين غير أمناء.
* مَنْ أسَّر إلى غير ثقة، ضيع سره: وهي نصيحة تُبيِّن أن إفشاء السر لشخص غير أمين أو غير موثوق به يؤدي حتمًا إلى ضياع هذا السر، وهذا يندرج ضمن مبادئ الإدارة الحكيمة.
* مَن استعان بغير مستقل، أفسد أمره: وهي نصيحة أن من يستعين بشخص له تبعات تمنعه من اتخاذ القرار بحيادية، كأنه يعتمد على جاهل، أو غير ثقة، أو من يُضمر له سوءًا.
*مَنْ ضيع عاقلاً، دل على ضعف عقله: وهي تعني أن من يهمل ويتجاهل صاحب العقل ويعرض عن الاستفادة من عقله وعلمه وخبرته، أو لا يعطيه مكانته اللائقة، به أو يُسيء معاملته، فإنه يرتكب حماقة كبرى، ويدل فعله على ضعف عقله، وانعدام بصيرته.
*مَنْ اصطنع جاهلاً، أعرب عن فرط جهله: أي من وضع جاهلاً أو غير كفء في موطن المسؤولية والإدارة، فهو دليل على فرط الجهل والحمق وخيانة الأمانة.
كذلك نجد "الماوردي" وهو أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي، وهو من علماء القرن الرابع الهجري وكان فقيهًا شافعيًّا، ومن علماء السياسية في الدولة العباسية، ومن كتبه المهمة في الإدارة "الأحكام السلطانية والولايات الدينية"، وهو كتاب يوصف بأنه أول دراسة علمية منهجية لأصول الإدارة في الدولة الإسلامية، وتكلم عن عدد من القضايا التي تختص بها الإدارة، كشروط الاختيار في بعض الوظائف كالخلفاء والوزراء وغيرهما، والرقابة في الدولة، والقضايا المرتبط بإقامة العدل كالقضاء والحسبة والإدارة المالية.
وللماردي كتب أخرى في ذات المجال، منها: كتاب "نصيحة الملوك"، وكتاب "قوانين الوزارة وسياسة الملك" الذي يُعرف أيضًا بـ "أدب الوزير"، يرى الماوردي أن نجاح أيّ عمل إداريّ لا يتوقف على كثرة مَن يُعهَد إليهم بأدائه، بل يتوقف على الصلاحية لهذا الأداء؛ فيقول: "الوجه الذي يستقيم به تدبير الوزير في أمرهم -يقصد تدبير العمال والولاة على الأقاليم والأمصار- من قد عرف أن له من الرأي والقوة ما يحتاج إليه".
ونبّه الماوردي على مبدأ من أهم المبادئ في الإدارة الحديثة؛ هذا المبدأ هو تقدير احتياجات الأجهزة الإدارية من العاملين على اختلاف تخصصاتهم ومستوياتهم الوظيفية في ضوء التقدير العملي لحجم العمل في الجهاز الإداري ومعدلات الأداء؛ فيقول: "اقتصِرْ من الأعوان بحسب حاجتك إليهم، ولا تستكثر منهم لتستكثر بهم؛ فلن يخلو الاستكثار من تنافر يقع به الخلل، أو ارتفاق يتشاكل به العمل، ولْيكن أعوانك وفق عملك؛ فإنه أنظم للشمل، وأجمع للعمل، وأبعث على النصح".
روابط ذات صلة:
آداب السؤال في الحضارة الإسلامية
تقدير الكتاب في التراث الإسلامي
حقوق الحيوان في الحضارة الإسلامية