الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الأخلاق والمعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
9 - رقم الاستشارة : 6135
15/10/2026
مرحبًا. أنا عندي ورشة نجارة صغيرة بيشتغل فيها 6 عمال. بالشهرين الأخيرة خف الشغل كتير، وتأخرت لحتى ما دفعتلهم رواتبهم وصار لهم شهرين. الله يجبر خاطرهن صابرين، بس في واحد منهن عنده ولد مريض ومضطر كتير للمصاري.
عم أتذكر حديث «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» وعم أحس حالي ظالمهم، بس والله ما معي سيولة ولا باليد حيلة.
فهل أنا آثم ع ها التأخير مع أني عاجز؟
وهل أُقدّم سداد الديون اللي عليّ ولا رواتب العمال؟
وكيف فيني أتصرف معهم لحتى أخذ حقهم وما خرب بيتي ويسكّر الشغل؟
مرحبًا
بك أخي الكريم، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وعلى أنك لم تسأل عن حيلة تتخلص
بها من حقوق عمالك، وإنما سألتَ كيف ترضي ربك وتحفظ حقوقهم وتنقذ ورشتك معًا. أسأل
الله أن يفتح لك أبواب رزقه، وأن يجبر خاطرك وخاطر عمالك، وأن يرزقك سداد الحقوق
على أحسن وجه، وبعد...
فيحكي
النبي ﷺ في الحديث المتفق على صحته، قصة ثلاثة رجال أطبقت عليهم صخرة في غار،
فتوسَّل كل واحد منهم إلى الله بعمل صالح. وكان من الثلاثة رجل استأجر عمالًا،
فترك أحدهم أجره ومضى. فنمَّى الرجل ذلك الأجر وثمَّره سنين، حتى صار إبلًا وبقرًا
وغنمًا ورقيقًا. ثم عاد العامل يطلب أجره فدفع له كل ذلك، وكان هذا العمل من أسباب
انفراج الصخرة.
أخبرتك
بهذه القصة لأنها ترسم صورة صاحب العمل الذي يحبه الله. هو من يرى أجر عامله أمانة
في عنقه، ويحرص على أدائه حتى حين لا يطالبه به أحد. وأنت تسأل بقلق عن أجور عمالك
بعد شهرين من الضيق، فأنت أقرب إلى هذه الصورة بإذن الله، وفقك الله ورعاك.
هل
تأثم بهذا التأخير مع عجزك؟
إنك
يا أخي تتذكر قول النبي ﷺ: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» [رواه ابن ماجة].
وهذا الحديث أصل عظيم في وجوب المبادرة إلى أداء الأجرة، وهو يخاطب القادر على
الأداء. ويُفهم هذا من نصوص أخرى في هذا الباب، فقد قال النبي ﷺ: «مطلُ الغني ظلم»
[متفق عليه]. وفي الحديث القدسي: «قال الله: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة... ورجل
استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره» [رواه البخاري]. والوعيد في هذا الحديث
لمن استوفى العمل وجحد الأجر أو منعه وهو قادر.
ولكن
من أصول الشريعة أن التكليف على قدر الوسع، لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ
نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ [البقرة: 286]، وقوله عز وجل: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ
مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ﴾ [التغابن: 16]. وفي الدَّين خاصة يقول الله تعالى: ﴿وَإِن
كَانَ ذُو عُسۡرَةٖ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيۡسَرَةٖۚ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيۡرٞ
لَّكُمۡۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 280]. فمن كان عاجزًا عجزًا حقيقيًّا
فدائنه مأمور بإنظاره، ولا يكون ظالمًا.
إذن،
إن كان عجزك حقيقيًّا فتأخرك في الأداء لا يجعلك ظالمًا ولا آثمًا بإذن الله؛ لكن
الحق يبقى دينًا في ذمتك. وسبيلك أن تتقي الله بما تستطيع، وتسعى في الأداء، وتعزم
عليه.
وأنبّهك
يا أخي إلى أن صدق العجز له علامات، تُحاسب بها نفسك بصدق، وهي: ألا تكون عندك
سيولة ولا أصول يمكن بيعها دون ضرر بالغ، وألا تقدّم نفقات الكماليات وما يمكن
الاستغناء عنه على حقوق العمال، وأن تدفع ما تيسر ولو كان قليلًا، فمن قدر على بعض
الحق لزمه أداء ذلك البعض، وأن يكون عندك عزم صادق على السداد، وأن يعلم العمال
أنك لا تهرب ولا تتجاهل.
وفي
الحديث: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدّى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها
أتلفه الله» [رواه البخاري]. فالنية الصادقة في الأداء من أعظم أسباب المعونة
الإلهية.
أما
شعورك بأنك ظالم لهم، فأرى أن تفرِّق فيه بين أمرين. الأول أن تحسّ بثقل الحق الذي
عليك. وهذا شعور محمود، وهو الذي يدفعك إلى السعي في أدائه. والثاني أن تجلد نفسك
بوصف الظالم وأنت لم تظلم. وهذا يستنزفك ولا ينفع عمالك. فاجعل شعورك هذا دافعًا
للعمل لا سوطًا على ظهرك.
هل
الأولى سداد الديون أم رواتب العمال؟
الأصل
أن أجرة العامل دَين في ذمتك، مثل سائر الديون؛ لكن يُنظر في أمور تجعلها في
الغالب أولى بالتقديم، وهي:
1-
شدة الحاجة وعِظَم الضرر: فالعامل يعيش على أجر يومه وأسبوعه، وليس
عنده فائض يتصبر به. وهناك فرق بين دائن غني يتحمل التأجيل، وعامل تتوقف معيشة
بيته على أجره. وفي حالة العامل الذي مرض ابنه، يتضاعف هذا الاعتبار.
2-
التحذير النبوي الخاص بحق الأجير: وهو الذي تذكره، وقد ذكرتُ لك
أيضًا الحديث القدسي، وهما يدلان على عناية الشرع الشديدة بهذا الحق.
3-
حلول الأجل: فالأجرة التي مضى عليها شهران هي مستحقة
الآن، أما بعض الديون الأخرى فقد تكون مؤجلة بحسب الاتفاق، فليست مطلوبة الآن.
4-
قدرة الدائن على الصبر: فقد يكون بعض الدائنين أقدر على الانتظار
من عمالك.
وبناء
على ذلك، فالأقرب إلى مقاصد الشرع في حالتك أن تبدأ بالعمال، وأن تعطيهم على الأقل
ما يسدُّ حاجتهم الأساسية، ثم تتفاوض مع الدائنين على إمهال أو جدولة.
كيف
تحفظ حقوق العمال دون أن ينهار عملك؟
تستطيع
ذلك بأمرين:
-
الصدق والمصارحة: العمال يعرفون في الغالب أن العمل قد
خفَّ، فلا تتركهم يتخيلون أسوأ مما هو واقع. فأحسن الظن بعمالك، فثقتك بهم وثقتهم
بك رأس مالك الحقيقي.
-
الاتفاق الواضح: الأمل الذي لا يقابله جدول ولا موعد يتحول مع الأيام
إلى شك ومرارة. أما الموعد الواضح، ولو كان بعيدًا، فيعطي العامل ما يصبِّره
ويستند إليه. فلا تعدهم بما لا تقدر عليه، فإن وعدًا
صغيرًا تفي به خير من وعد كبير تخلفه.
وأقترح
عليك الآتي:
1-
اجمع العمال لجلسة مصارحة: وقل لهم: «حقكم عليَّ ثابت ولن يضيع،
والشغل خفَّ وسيولتي ضعيفة، وأريد أن نتفق معًا على جدول للسداد». هذا الكلام يخفف
الاحتقان. وأكّد لهم أنك لا تطلب إسقاط الحق، وإنما تطلب الصبر.
2-
ابدأ بالأشد حاجة: أعطِ
العامل الذي مرض ابنه ما تستطيع الآن، ولو جزءًا صغيرًا، وقدِّمه في الجدول. وإن
لم تستطع فاسأله عن أولى حاجاته وساعده فيها. ويمكنك أن تدلَّه، دون إحراج، على
جهات خيرية أو لجان زكاة تساعد في العلاج، لكن لا تجعل هذا بديلًا عن حقه.
3-
سجِّل كتابةً كل شيء: اكتب ما عليك لعمالك وللدائنين وتواريخ
الاستحقاق، وما لك عند الزبائن، وما تملكه من مخزون وآلات. فالصورة الواضحة تبدّد
نصف القلق، وتفيدك في التفاوض.
4-
حصِّل ما لك عند الناس: اتصل بالزبائن الذين عليهم مبالغ متأخرة،
ويمكن أن تعرض عليهم خصمًا بسيطًا مقابل السداد العاجل، واطلب دفعات مقدَّمة على
الطلبات الجديدة، فهي تمدُّك بسيولة تساعدك على الوفاء ببعض التزاماتك.
5-
بِع ما يمكن بيعه دون خسارة: مثل الخشب الراكد والقطع الجاهزة وآلة
غير ضرورية، كل ذلك يمكن أن يتحول إلى سيولة تدفع بها شيئًا من الأجور. ويمكنك
أيضًا أن تطلب قرضًا حسنًا من قريب أو صديق، مع جدول سداد واضح مكتوب.
6-
السداد العَيني: اعرض على العمال سداد بعض أجورهم بأشياء عينية، إن
رغبوا، كأن تعطي عاملًا قطعة أثاث أو خشبًا بقيمة جزء من حقه، بالتراضي الصريح،
بشرط ألا تُكرههم وأن يُحسب بسعر عادل يعرفونه.
7-
ابحث عن منافذ جديدة للعمل: ومن ذلك الإصلاحات والصيانة وأعمال
الترميم، والعمل مع ورش أخرى من الباطن، وعرض نماذجك على الناس عبر وسائل التواصل.
8-
تقليل ساعات العمل: إن اضطررت فقلِّل ساعات العمل بالاتفاق
مع العمال، ما يتيح لهم العمل في أماكن أخرى مؤقتًا، مع بقاء حقهم عليك ثابتًا.
ولا تُسرِّح أحدًا قبل أن تتفقا على كيفية السداد.
9-
الدعاء والاستغفار: وهذا أولًا وآخرًا ودائمًا. فاستغفر الله
عن تقصيرك، واسأله الرزق والعون. ومن أدعية النبي ﷺ: «اللهم اكفني بحلالك عن
حرامك، وأغنني بفضلك عمّن سواك». ومنها: «اللهم إني أعوذ بك من الهمّ والحزن، ومن
العجز والكسل، ومن الجبن والبخل، ومن غلبة الدَّين وقهر الرجال».
وختامًا
أخي الكريم، ليكن في قلبك يقين بقوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل
لَّهُۥ مَخۡرَجٗا * وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ﴾ [الطلاق: 2 و3].
وقوله عز وجل: ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرًا * إِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرًا﴾
[الشرح: 5 و6]. وابدأ اليوم بخطوة واحدة صغيرة: اتصل بعاملك صاحب الابن المريض،
وقدم له كلمات الدعم والطمأنة، أو اجلس مع نفسك واكتب الكشف الذي تسجل فيه كل
معاملاتك وديونك وجدولتها.
اللهم
إني أسألك أن ترزق أخانا رزقًا واسعًا حلالًا طيبًا، وأن تفرِّج عنه همَّه وضيقه،
وأن تعينه على أداء حقوق عماله كاملة غير منقوصة. اللهم اجعل لعماله من هذا الأمر
فرجًا ومخرجًا، واشفِ ابن عامله شفاءً لا يغادر سقمًا، وارزق أصحاب الدَّين عنده
صبرًا وسعة. اللهم اكفه بحلالك عن حرامك، وأغنه بفضلك عمن سواك، وبارك له في ورشته
وعمله وعياله. وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
روابط
ذات صلة: