الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
5 - رقم الاستشارة : 5341
15/07/2026
هل الاستقلالية الواسعة التي يعيشها بعض أفراد الأسر تضر بمفهوم الأسرة ولماذا تتآكل الأسرة كمفهوم ودور في الوقت الراهن؟
أخي
الكريم، الأسرة
كمفهوم ودور يتراجع ويغيب بفعل ضغوط كثيرة ومتنوعة، منها الاقتطاع الكبيرة الذي
أخذته الرقمية من أوقات الأسرة لصالحها، والنزعة الاستهلاكية التي صاغت العلاقات
الأسرية على أسس مادية بحتة، أو المفاهيم الجديدة التي عمقت الفردانية على حساب
روح المودة والتراحم والتساند.
الاستقلالية
والانعزالية
أخي
الكريم، هناك
من المفاهيم والمصطلحات البراقة يتم تمريرها في المجتمعات تحت ستار جمال اللفظ،
لكن يجري توظيفها بصورة سيئة، ومن ذلك مفهوم الاستقلالية الذي يشير إلى معان
إيجابية تدور حول اعتماد كل فرد على نفسه داخل الأسرة، وقدرته على اتخاذ القرارات،
والابتعاد عن الاتكالية والاعتمادية على الآخرين.
لكن الوجه
المسكوت عنه في الاستقلالية، أن جرعتها الزائدة تفكك الأسرة مفهومًا ودورًا، وتحول
أفراد الأسرة إلى جزر منعزلة مستقلة عن بعضها البعض، كل فرد يبحث عن مصلحته
الفردية دون اعتبار للآخرين، ودون مراعاة لهم.
وتبدأ
الاستقلالية من اتخاذ القرار إلى حرية التصرف في المال، إلى حرية التصرف الواسعة
في خيارات الحياة، إذ يشعر كل فرد أنه قادر على تدبير أموره، وتوفير الدعم العاطفي
لنفسه دون الحاجة إلى الآخرين، وهذه الحالة –مثلاً- في العلاقة بين الزوجين تحول
الأسرة إلى كيان برأسين مستقلين بلا مشتركات، وبلا تكامل وتعاضد.
ولعل
من أخطر التجاوزات في الاستقلالية، هو تحويل العلاقات داخل الأسرة إلى علاقات
ندية ترتبط برباط المصلحة، وليس بأواصر المودة، فتصير الزوجة ندًّا لزوجها
لاستقلالها المالي واستقلالها في اتخاذ القرار، ويصير الابن ندًّا للأب لاستقلاله
المالي وفي اتخاذ القرار.
وهذا
يعني أن الأسرة تدور في فلك الفردانية وتحكمها المادية، وهو ما يجعل العلاقات داخل
الأسرة علاقات مؤقتة، تنتهي مع قدرة كل فرد على تحقيق استقلاله، وليست علاقات
مرتكزة على قيم دينية وإنسانية، فالأب والأم ليسا مرحلة انتهت من حياة
الأبناء مع استقلال الأبناء، ولكنهما مسؤولية دائمة يغلفها الاحترام والتقدير
ووجوب البر، وكذلك الأبناء ليسوا شيئًا طارئًا يمكن للأبوين أن يزيحا مسؤوليته
عنهما، فدور الأبوين ليس مشابهًا لما تقوم به مطاعم الوجبات السريعة أو محلات
تنظيف الملابس، ولكن دورهما في الرعاية والتربية والتقويم وبث الفضائل.
تشير
عالم النفس الألمانية "هايدي كيلر" والتي تُعد رائدة عالميًّا في مجال
علم النفس الثقافي التنموي، إلى أن هدف النمو النفسي هو الترابط لا الاستقلال،
والترابط مفهوم نفسي اجتماعي يرى في التقارب أساس جميع العلاقات؛ وهو مفهوم شديد
الأهمية في الأنظمة الأسرية.
وقد
حاول البعض الترويج للترابط على أنه بديل للنضج، وأن الشاب الذي ما زال مرتبطًا
بأسرته هو شاب غير ناضج، وأن المستقل هو الناضج، رغم أن الترابط ليس مقابلاً أو
مضادًا للاستقلال، ولكن الترابط يجب أن يكون أصيلاً في الأسرة.
الاستقلال
المتوازن
أخي
الكريم، المطلوب
ألا يُهدر مفهوم الاستقلال قيم الأسرة الأساسية، كذلك ضرورة تنشئة الأبناء على قدر
من الاستقلالية لأهميتها في بناء شخصية قوية؛ فالشخص عندما يفتقر إلى القدر الإيجابي
والنافع من الاستقلال داخل الأسرة، فإن قراراته لا تبحث عن الأنسب والأنفع، ولكن
تراعي الآخرين بصورة قد تكو ضارة، كذلك فإن مشاعر الالتزام الزائدة عن الحد تجاه
الآخرين داخل الأسرة قد تكون سببًا في الكراهية.
روابط
ذات صلة:
هل هناك علاقة بين الرقمية والتفكك الأسري؟
كيف هددت الحداثة مفهوم الأسرة؟
التفكك الاجتماعي في عالم الإنترنت الفسيح