الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : قضايا معاصرة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
19 - رقم الاستشارة : 5426
02/08/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بصفتي باحثة ماجستير أعمل على رسالة تتعلق بالتكييف الفقهي لجريمة "الاتجار بالبشر"، أضع بين أيديكم هذه النازلة راجيةً توجيهكم العلمي: تقوم عصابات الاتجار بالبشر المعاصرة بالسيطرة التامة على الضحايا من خلال حجز وثائقهم، وممارسة الإكراه (الملجئ أو غير الملجئ) لسلب إرادتهم تماماً، وتوظيفهم قسراً في أعمال غير مشروعة.
وبما أن الفقه الإسلامي قد قرر قاعدة أن "الحر لا يدخل تحت اليد" ولا يُقوّم بمال، وفي ضوء تركيز التراث الفقهي في حد "الحرابة" على "أخذ المال مغالبة" و"إخافة السبيل": هل يُمكن فقهيًّا قياس "سلب الحرية والإرادة بالقهر المعنوي والحسي" على "أخذ المال مغالبة" لإلحاق فعل هذه العصابات بحد الحرابة؟ أم أن هذا الصنيع يُكيّف استقلالاً تحت مفهوم "الإفساد في الأرض" الموجب للتعزير البليغ (كالقتل سياسةً شرعية)؟ وما هو التكييف الأقرب لمقاصد الشريعة في حفظ الضروريات؟ وجزاكم الله خيراً.
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أختنا الباحثة، وأسال الله
تعالى أن يفتح عليك من خزائن علمه وأن يرزقنا وإياكم فهم المرسلين وحفظ النبيين،
والملائكة المقربين، وأن ينفع بك وبعلمك في العالمين، على الرغم من أن هذه الخدمة
غير مخصصة لمسائل البحث العلمي، ولكن للاستشارات الحياتية، فطبيعة البحث العلمي
تختلف كليًّا عن تقديم الفتاوى الشرعية، وتختلف الرؤى والآراء في المسألة الواحدة،
لكن دعينا نعرج على الخطوط العريضة تاركين التفاصيل والمناقشات لجهدكم وبحثكم إن
شاء الله تعالى.
التكييف الفقهي لجريمة "الاتجار بالبشر" يُعد
من أهم الدراسات الفقهية المقاصدية في عصرنا الحالي؛ نظرًا لما تتسم به هذه
الجريمة المنظمة من انتهاك صارخ للكرامة الإنسانية، وتطوير لأساليب القهر الحسي
والمعنوي لسلب حرية الإنسان وإرادته. ولما كان الفقه الإسلامي بأصوله ومقاصده
يمتلك من المرونة ما يستوعب الوقائع والنوازل المستحدثة، فإن التكييف الجنائي
الفقهي لهذه الجريمة يتطلب الموازنة بين دقة الألفاظ الفقهية الموروثة كالسرقة
والغصب والحرابة وبين العلل والمقاصد الكلية المنظمة لحماية الإنسان وضروراته
الخمس.
اختصارًا: القياس
على حد الحرابة قد يصح فقهيًّا فقياس "سلب الحرية والإرادة بالقهر المعنوي
والحسي" على "أخذ المال مغالبة" لإلحاق جريمة الاتجار بالبشر بحد
"الحرابة" قطع الطريق يتماشى عقلاً ومنطقًا مع مقاصد الشريعة من تشريع
حد الحرابة؛ وخاصة استنادًا إلى توسع فقهاء المالكية ممن اعتبروا أن المناط الحاكم
والعلة الجامعة في الحرابة هي «المغالبة وإشاعة الخوف وسلب قدرة الضحية على
الاستغاثة أو الامتناع»، وسلب حرية الإنسان وإرادته أشد خطرًا وأعظم مفسدة من مجرد
أخذ ماله.
والتكييف تحت باب "الإفساد في الأرض" هو تكييف
فقهي آخر صحيح وأقرب قياسًا من القياس الأول، وهو ما يعطي المشرع مرونة توافق حال
الجريمة، حيث يوفر لولي الأمر المشرّع سندًا شرعيًّا متينًا لصياغة تشريعات رادعة
تُعاقب الجناة والعصابات المنظمة بعقوبات تعزيرية مشددة تصل إلى «القتل سياسة
شرعية» استئصالاً لشأفتهم وحماية للمجتمع.
فمن المؤكد أن مجتمعًا تظهر فيه هذه الحالات كحالات
نادرة، يختلف عن مجتمع انتشرت فيه هذه الآفة وأصبحت لها عصاباتها المنظمة التي قد
تقاوم السلطات نفسها أحيانًا، وبالتالي يكون لدى المشرع المدى الأوسع للتكييف
القانوني الذي يلائم حالة المجتمع محل الدراسة.
وفي نظري التكييف الأقرب لمقاصد الشريعة هو الجمع
والتكامل بين العقوبتين؛ فتُكيّف الأفعال المباشرة القائمة على القهر والمغالبة كـ
"حرابة" من حيث استحقاق العقاب الشرعي الرادع، وتستند التشريعات
والقوانين المعاصرة إلى باب "الإفساد في الأرض والتعزير البليغ"؛ لكونه
التكييف الأكثر شمولاً وتلبيةً لمقاصد الشريعة في حفظ الضروريات الخمس النفس،
والعرض، والمال، والعقل، والحرية الإنسانية التي هي مناط التكليف.
التكييف الفقهي قياسًا على حد الحرابة
يرى جمع من العلماء والفقهاء أن العلة الأساسية في تشريع
حد الحرابة ليست مجرد العين المالية المأخوذة، بل هي "المغالبة والمجاهرة
وسلب إرادة المجني عليه وإخافة السبيل"، وبالتالي يدخل خطف الأحرار وسلب
حرياتهم بالقهر تحت هذا الحد.
ويعتمد هذا الاتجاه على التوسع في مفهوم
"المحارب" ليعم كل من اعتمد على المكابرة والمغالبة والقهر، سواء كان
المعتدى عليه مالاً أو حرية أو نفسًا.
القواعد الفقهية الحاكمة في دخول الاتجار بالبشر تحت
الحرابة:
قاعدة: «العلة تدور مع معلولها وجودًا وعدمًا»
المناط الشرعي في باب الحرابة هو "المغالبة،
والمكابرة، وسلب قدرة الضحية على الامتناع أو الاستغاثة". وحيثما تحقق هذا
القهر سواء كان حسياً بالسلاح أو معنوياً كحجز الوثائق والإكراه والتهديد في
الاتجار بالبشر، تحقق حكم المحاربة، ولا يقدح في ذلك أن المعتدى عليه هو إرادة
الحر وحريته بدلاً من عينه المالية.
قاعدة: «الأصل في الآدميين الحرية وبراءة الذمة»
الحرية الإنسانية أصل كلي ثابت بالشرع، وكل تصرف يستهدف
تحويل الإنسان الحر إلى موضوع للاستغلال السلعي أو القهر الجسدي والمعنوي هو
اعتداء على هذا الأصل الشرعي الصارم، مما يجعل التعدي على الحرية بالسيطرة والقهر
أشد جرمًا من الاعتداء على الأموال المملوكة.
قاعدة: «الضرر يزال» و«يُتحمّل الضرر الخاص لدفع الضرر
العام»
جرائم الاتجار بالبشر تتضمن إلحاق ضرر كلي وممتد
بالضحايا والمجتمع الاستعباد الحديث وشبكات الجريمة المنظمة، ولا يتحقق زوال هذا
الضرر العظيم إلا بعقوبات زاجرة، مما يسوغ شرعًا تغليظ العقوبة واستخدام القتل
تعزيراً وسياسة شرعية للجناة لاستئصال شأفتهم.
قاعدة: «التصرف على الرعية منوط بالمصلحة»
تمنح هذه القاعدة ولي الأمر والسلطة التشريعية الحق في
الاستناد إلى أحكام السياسة الشرعية لصياغة قوانين جنائية رادعة تواكب الصور
المستحدثة لجريمة الاتجار بالبشر بناءً على المصلحة المرسلة المتمثلة في صيانة
الكرامة الإنسانية وحفظ الضروريات الخمس. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
جرائم الابتزاز الإلكتروني هل تعتبر حرابة وتأخذ عقوبتها؟
قطع الطريق على مساعدات غزة بين الحرابة والردة