اشترى باقة قنوات ونيته استخدام المباح منها فقط.. فهل يأثم؟

Consultation Image

الإستشارة 16/07/2026

أريد الاشتراك في قنوات beIN القطرية لأشاهد القنوات الوثائقية والإخبارية والرياضية لكن عندما سألت وجدت أن تلك القنوات تأتى على هيئة باقات أي أن الباقة الواحدة تحتوى على قنوات وثائقية ورياضية وإخبارية لكن بها أيضا قنوات أفلام أجنبية وأفلام عربية، فما حكم الاشتراك في تلك الباقات مع العلم أنى لا أشاهد الأفلام الأجنبية ولا العربية او حتى الترفيهية؟

الإجابة 16/07/2026

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، واعلم حفظك الله ورعاك، أن وسائل الإعلام والاتصال الحديثة أصبحت من النوازل التي عمت بها البلوى، وباتت القنوات الفضائية تقدم محتويات مختلطة تجمع بين النافع والمضر، والصالح والطالح. ومن السياسات التسويقية لهذه الشبكات دمج قنوات الأخبار والرياضة والوثائقيات مع قنوات الأفلام والترفيه في باقة واحدة لا يمكن فصلها. وحيث إن المسلم مأمور بحفظ دينه ونفسه وعينه من الحرام، فإن الاشتراك في هذه الباقات المختلطة مع عزم المشترك على اقتطاع الجانب المباح دون الحرام، يعد نازلة فقهية تحتاج إلى تأصيل من حيث اختلاط المنافع والمفاسد في عقد واحد.

 

اختصارا: الاشتراك في باقات القنوات التي تحتوي على قنوات مباحة كوثائقيات وأخبار ورياضة وقنوات محرمة كالأفلام والترفيه المشتمل على منكرات جائز شرعًا بشرطين أساسيين:

 

الأول: أن يكون مقصود المشترك وغالب تشغيله للقنوات المباحة والنافعة.

 

الثاني: أن يملك المشترك القدرة والعزيمة على تشفير القنوات المحرمة أو حجبها والامتناع التام عن مشاهدتها. وبناءً على ذلك، فما دمتَ لا تشاهد الأفلام ولا الترفيه، وتقتصر على الوثائقيات والأخبار والرياضة، فلا حرج عليك في الاشتراك، ويكون الإثم متوجهًا على من يستعمل هذه الباقات في المحرم.

 

يشوب هذه المعاملة خطر واحد فقط، وهو أن تكون هذه القنوات تستخدم عوائد الاشتراكات لإنتاج أو شراء ما هو محرم من المواد الأخرى، فيكون من باب الإعانة على المحرم، لكن يبقى شكًّا واليقين لا يزول بالشك.

 

وتفصيلاً:

 

لم تكن الفضائيات والباقات الرقمية موجودة قديمًا، ولكن أصل المسألة يرجع في الفقه القديم إلى مسألة "بيع أو إجارة العين التي تستعمل في الحلال والحرام معًا" كالخشب يصنع منه سرير أو إناء خمر، والعنب يصنع منه خلاً أو خمرًا، وإلى "شراء السلعة التي يختلط فيها المباح بالمحظور".

 

1. موقف الفقهاء قديمًا الأصل في الأعيان المشتركة

 

جاء في «المغني» للإمام ابن قدامة المقدسي ت 620هـ: «إذا كانت العين مما تصلح للحلال والحرام، كالغلام يكتب أو يخيط، والدار تسكن، والدابة تركب، فإن العقد عليها جائز؛ لأن منفعتها الأصلية مباحة، فلا يُمنع منها لعلة احتمال استعمالها في الحرام، إلا إذا علم العاقد أو غلب على ظنه أن المستأجر يريد بها الحرام».

 

وحيث إن جهاز الاستقبال والباقة يشتملان على منافع مباحة مقصودة لذاتها كالوثائقيات والأخبار، فإن العقد في أصله يقع على منفعة مشروعة، ويكون وزر الاستعمال المحرم على من باشره.

 

2. الفتاوى والمؤسسات الفقهية حديثًا

 

تصدى العلماء المعاصرون لمسألة باقات التلفزيون والإنترنت المختلطة، وانتهوا إلى جوازها بالضوابط المذكورة:

 

فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية:

 

سُئلت اللجنة عن حكم اقتناء جهاز التلفاز والدش الذي يجلب القنوات الصالحة والطالحة، فجاء في فتاواها: «إذا كان المقتني للجهاز يستخدمه في السماع والنظر إلى البرامج النافعة والمباحة كالأخبار والندوات العلمية والبرامج الثقافية، ويمنع نفسه وأهل بيته من مشاهدة المنكرات، فإن اقتناءه جائز، والعبرة بالاستعمال».

 

فتوى الشيخ الدُّبْيَانِ والشيخ ابن عثيمين رحمه الله في مسائل الشاشات والاشتراكات:

 

أكد فقهاء العصر أن عقود الاشتراك في الخدمات المشتركة كشبكات الإنترنت والفضائيات جائزة؛ لأن هذه الوسائل أصبحت من ضروريات الحياة وحاجياتها، ولأن القنوات محايدة في ذاتها، والتحريم يتعلق بفعل المكلف، فإذا أمن المشترك على نفسه وأهله جاز له الاشتراك.

 

القواعد الفقهية الحاكمة

 

تنضبط هذه المعاملة بعدة قواعد فقهية معتبرة يتبين من خلالها وجه الإباحة:

 

قاعدة: «الأمور بمقاصدها»

 

المقصد الأصلي والباعث لك على الاشتراك هو مشاهدة الأخبار والرياضة والبرامج الوثائقية، وهي منافع مباحة في أصلها، ودخول قنوات الأفلام في العقد لم يكن مقصودًا لك بل جاء إجباريًّا من الشركة، فلا تؤاخذ بنية لم تقصدها وفعل لم تباشره.

 

قاعدة: «التابع تابع» و«يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في غيرها»

 

قنوات الأفلام والترفيه غير المقصودة تُعد في هذا العقد تابعة للباقة الإجمالية وليست أصلاً فيها بالنسبة لك؛ فالشركة تبيع باقة كاملة موحدة، والشرع يغتفر وجود المحظور الضمني إذا جاء تابعًا لعقد مباح واسع شريطة عدم تفعيله أو استهلاكه.

 

قاعدة: «إذا اجتمع الحلال والحرام في عين لا يمكن تبعيضها جاز استعمالها في الحلال»

 

الباقة التلفزيونية وحدة واحدة لا تقبل التجزئة من طرف المشترك لا يمكنك طلب حذف قنوات الأفلام من الفاتورة، وحيث إنها تشتمل على حلال وحرام، وأنت تستهلك الجزء الحلال الصرف وتترك الحرام، فإن الفعل لا حرج فيه، كمن يشتري صحيفة سيارة فيها مقالات علمية نافعة وفيها صور محرمة، فيقرأ العلم ويغض بصره عن الصور.

 

قاعدة: «قَدْر الطاقة وسقوط الحرج»

 

التكليف الشرعي يوجب عليك اجتناب المنكر بحسب قدرتك، وحيث إنك لا تستطيع إلغاءه من التعاقد، فإنك تسقط حكمه عن نفسك بالامتناع الفعلي عن فتح قنواته، أو باستخدام خاصية "حجب القنوات" الموجودة في أجهزة الاستقبال لقفل القنوات غير الجائزة برقم سري لا تفتحه أبدًا، وبذلك تكون قد اتقيت الله ما استطعت. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

حكم مشاركة خدمات الإنترنت مع آخرين في ظل عقود الإذعان

المقصود بعقود الإذعان وموقف الشريعة منها

الرابط المختصر :