وكأنني مصدر إحراجه أمام أقرانه!!

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. أميمة السيد
  • القسم : المراهقون
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 7
  • رقم الاستشارة : 5443
27/07/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أنا أب في الثامنة والأربعين من عمري، ولي ابن يبلغ خمسة عشر عامًا، والحمد لله علاقتنا كانت طيبة جدًا منذ صغره، وكنا قريبين من بعضنا بصورة يلاحظها كل من حولنا.

لكن منذ دخوله المرحلة الإعدادية، ثم انتقاله إلى الثانوية، بدأت أشعر أن ابني يتغير بطريقة تؤلمني، ولا أعرف هل هي طبيعية أم أنني أخطأت في تربيته.

إذا كنت معه وحدنا في البيت، أجده يضحك معي، ويتحدث، ويقبل رأسي أحيانًا، ويطلب مني النصيحة، لكن إذا قابلنا أحدًا من أصدقائه في الشارع، يتغير فجأة.

أصبح إذا ناديته باسمه أمام زملائه، يرد عليَّ بسرعة وكأنه يريد إنهاء الحديث.

وإذا اقتربت لأصافحه أو أضع يدي على كتفه كما كنت أفعل منذ صغره، يبتعد قليلًا وينظر حوله، وكأنه يخشى أن يراه أحد.

وفي إحدى المرات ذهبت إلى المدرسة لأطمئن عليه بعد أن اشتكى من صداع، فلما رآني قال بصوت منخفض: "يا بابا لو سمحت امشِ دلوقتي، أصحابي موجودين".

رجعت إلى البيت يومها وأنا أشعر بحزن شديد، حتى إن والدته لاحظت أنني صامت.

قلت لها: يبدو أن ابننا أصبح يخجل منا.

لكنها قالت لي: لا تكبر الموضوع، هذه مرحلة وستمر.

ورغم ذلك، بقيت كلماته تؤلمني.

أنا لا أريد أن أكون سببًا في إحراجه، لكنني أيضًا لا أريد أن أشعر أن ابني يخجل من أبيه.

فهل هذا التصرف طبيعي في هذه السن؟ وكيف أتعامل معه دون أن أكسر العلاقة بيننا؟

الإجابة 27/07/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أخي الكريم..

 

قبل أن أجيبك، أريد أن أقول لك كلمة من قلب أُم قبل أن تكون مستشارة ومتخصصة:

 

لقد شعرت بحنانك في كل سطر كتبته، ولمست مقدار الألم الذي أخفيته خلف كلماتك. وأطمئنك بدايةً أن ما وصفته لا يعني بالضرورة أن ابنك توقف عن حبك، بل قد يكون العكس تمامًا.

 

فكثير من الآباء يخلطون بين تغير طريقة التعبير عن الحب واختفاء الحب نفسه، بينما الحقيقة أن المراهقة تعيد ترتيب كثير من أساليب التعبير.

 

أولًا: ابنك لا يخجل منك، بل يخشى تقييم أقرانه..

 

في هذه المرحلة العمرية يصبح لرأي الأصدقاء وزن كبير في نفس المراهق.

 

وفي علم النفس يسمى ذلك: Peer Acceptance أي الحاجة إلى القبول بين الأقران. فالمراهق يبدأ في تكوين صورته الاجتماعية، ويصبح شديد الحساسية تجاه نظرة زملائه إليه.

 

ولذلك قد يتصرف بطريقة تبدو جارحة لوالديه، بينما هدفه الحقيقي هو ألا يكون محل تعليق أو سخرية بين أصدقائه. وهذا لا يبرر السلوك، لكنه يفسره.

 

ثانيًا: ابنك في مرحلة البحث عن الاستقلال..

 

فمن خصائص المراهقة أيضًا ما يسمى: Psychological Separation أو الاستقلال النفسي التدريجي. فالابن يحاول أن يشعر أنه أصبح أكبر، وأنه لم يعد طفلًا يحتاج إلى الإمساك بيده أمام الناس.

 

وهذا لا يعني أنه يريد أن يفقد والده، بل يريد أن يشعر أنه يكبر. ومن الخطأ أن نفسر كل مظاهر الاستقلال على أنها عقوق أو جفاء.

 

ثالثًا: احذر من تحويل الموقف إلى معركة كرامة..

 

بعض الآباء عندما يتعرضون لموقف مشابه يقولون أمام الناس:

 

"إذن لا تعرفني بعد ذلك؟ لن أذهب إليك مرة أخرى".

 

أو "لقد ربيتك حتى تستحي مني؟".

 

مثل هذه العبارات قد تدفع الابن إلى الشعور بالخزي، لا بالاقتناع.

 

والخزي يترك أثرًا سلبيًّا أعمق من الخطأ نفسه.

 

رابعًا: تحدث معه عندما تهدأ المشاعر..

 

اختر وقتًا هادئًا، وقل له بلطف: "يا بني، أنا لا أغضب لأنك تكبر، بل أفرح بذلك، لكن ما حدث يوم المدرسة أحزنني؛ لأنني شعرت للحظة أنك لا تريد وجودي".

 

تحدث عن مشاعرك، لا عن اتهامه.

 

هذه الطريقة تسمى: I-Message أو رسائل الأنا.

 

فبدلًا من: "أنت قليل الأدب".

 

قل: "أنا شعرت بالحزن عندما حدث كذا"، وهذا يقلل الدفاعية ويزيد فرص الحوار.

 

خامسًا: لا تحرمه من الحنان، لكن غيّر أسلوبه..

 

المراهق قد لا يحب أن تعانقه أمام أصدقائه، لكنه قد يسعد كثيرًا إذا احتضنته في البيت. وقد يتحرج من تقبيل رأسه أمام زملائه، لكنه ينتظر منك كلمة تقدير بينكما. إذن غيّر شكل التعبير، ولا تتوقف عن جوهر التعبير.

 

سادسًا: امدح نضجه ولا تسخر من حساسيته..

 

بدلًا من أن تقول: "أصبحت تتكبر علينا".

 

قل: "أرى أنك أصبحت تهتم كثيرًا بصورتك أمام أصحابك، وهذا طبيعي، لكن لا تجعل ذلك يبعدك عن قيمك وأهلك".

 

هنا أنت تعترف بمشاعره، ثم توجهها، وهذا من مبادئ Emotional Validation، أي الاعتراف بالمشاعر قبل تصحيح السلوك.

 

سابعًا: ذكّره بلطف بمكانة الوالدين

 

قال الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾. فالبر لا يقتصر على النفقة والطاعة، بل يشمل أسلوب التعامل، واحترام المشاعر، وحفظ مكانة الوالدين أمام الناس.

 

وقال النبي ﷺ: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا". فالاحترام قيمة تُمارس في البيت وخارجه.

 

ولكن متى تقلق؟

 

إذا كان خجله من والديه مصحوبًا والعياذ بالله بـالآتي:

 

- كراهية شديدة للأسرة.

 

- إنكار نسبه أو أهله.

 

- عدوان مستمر.

 

- عزلة أو تغيرات نفسية كبيرة.

 

فهنا يحتاج الأمر إلى تقييم أوسع.

 

أما إذا كان الأمر يقتصر على المواقف الاجتماعية مع استمرار العلاقة الطيبة داخل البيت، فغالبًا هو جزء من مرحلة المراهقة، يحتاج إلى حكمة في الاحتواء أكثر من العقاب.

 

همسة أخيرة:

 

أخي الكريم، قد يبتعد الابن في خطواته قليلًا وهو يعبر جسر المراهقة، لكنه يظل في داخله يبحث عن أبٍ يشعر معه بالأمان، لا عن أبٍ يخاف من الرجوع إليه.

 

فلا تجعل ألم اللحظة يحرمك من دفء السنوات القادمة. كن له الأب الذي يفتح ذراعيه إذا عاد، لا الذي يغلق قلبه لأنه تأخر.

 

وتذكر دائمًا أن الابن عندما يشعر أن والده يفهم مرحلته، لا ينسى ذلك أبدًا.. أما إذا شعر أن والده نافسه على كرامته، فقد يكسب الأب الموقف، لكنه يخسر المسافة بين القلبين.

 

روابط ذات صلة:

أصبح مصدر تعب للجميع.. ماذا نفعل مع ابني المراهق؟!

خطوات عملية للتعامل الحكيم مع المراهقين!!

ابني المراهق.. بيني وبينه جدار من عدم الاحترام!!

ابني يتعمد إحراجي أمام الناس!

الرابط المختصر :