الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
22 - رقم الاستشارة : 5795
08/09/2026
هل بودرة البروتين والكولاجين المستخرج من لحوم برازيلية _ غير مؤكد حصولها على شهادة ذبح على الطريقة الإسلامية - والذي بياع كمكمل غذائي هل يجوز للمسلمين استهلاكه، ومن المعلوم أن استخراج هذه البودرة يمر بمراحل تصنيع تتحول فيها المادة عدة مرات حتى تصل الى صورة المنتج النهائي، حيث يفتي البعض بجواز استخدامها؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن
الله تعالى أمر عباده المؤمنين بتحري الحلال الطيب في مأكلهم ومشربهم، وجعل ذلك من
أسباب قبول العمل وإجابة الدعاء. ومسألة استهلاك المكملات الغذائية المستخلصة من
أجزاء حيوانية مستوردة من دول لا تلتزم بالذبح الشرعي، وتمر بعمليات معالجة
كيميائية وحرارية، هي من النوازل المعاصرة التي تتجاذبها أصول فقهية دقيقة، أهمها
"الاستحالة" تغير حقيقة المادة، و"الضرورة"، وقاعدة
"الأصل في اللحوم التحريم".
اختصارًا:
لا
يجوز للمسلم استهلاك بودرة البروتين أو الكولاجين المستخرجة من لحوم أو جلود أو
عظام حيوانات لم يثبت تذكيتها بالذبح الشرعي كبعض اللحوم البرازيلية غير المعتمدة
بشهادات حلال موثوقة.
ورغم
وجود رأي فقهي يعتبر أن المعالجة الكيميائية القوية تُحدث "استحالة"
تطهر المادة النجسة، فإن المجامع الفقهية المعاصرة وهيئات الفتوى المعتبرة تميل
إلى المنع في حال الكولاجين والجيلاتين الحيواني غير المذكى؛ لأن التحول الكيميائي
فيهما يعتبره كثير من الخبراء "تحولاً جزئيًّا" لا يغير خصائص المادة
الأصلية بالكلية.
ويشتد
المنع لكون هذا الاستهلاك يندرج تحت باب "التحسينيات" فالمكملات
الغذائية تتوافر لها بدائل نباتية وبحرية حلال بيقين.
وتفصيلاً:
الشريعة
الإسلامية ترتب مقاصد وحاجات المكلفين إلى ثلاث مراتب: ضروريات، وحاجيات،
وتحسينيات.
تكييف
المكملات الغذائية: تناول بودرة البروتين والكولاجين
لغرض بناء العضلات، أو تحسين صحة المفاصل، أو نضارة البشرة، يُصنف قطعًا ضمن
التحسينيات والكماليات، ولا يرقى إلى مرتبة الضرورة التي تحفظ الحياة ولا مرتبة
الحاجة التي ترفع المشقة الشديدة.
سقوط
رخصة المحظور: القاعدة الشرعية تنص على أن "الضرورات تبيح
المحظورات"، وبما أن الغرض هنا تحسيني وتكميلي، فلا يُرخص للمسلم التساهل في
استهلاك مادة مشكوك في حلّها أو كان أصلها ميتة نجسة.
توفر
البدائل الحلال: الأسواق المعاصرة تزخر بالبدائل الحلال الصرفة
التي تغني تمامًا عن هذا المنتج المشبوه، منها:
الكولاجين
البحري: المستخرج من الأسماك، وهو حلال بالإجماع ولا يشترط له ذبح.
البروتين
النباتي: كبروتين البازلاء، والصويا، والأرز، والقمح.
المنتجات
الحاصلة على شهادة "حلال" موثوقة: المستخرجة من أبقار ذُبحت وفق الشريعة
الإسلامية.
أولاً:
مسألة الاستحالة وتطهير النجاسات
مذهب
الحنفية والمالكية: يرون أن الاستحالة التامة التحول الكامل للمادة تطهر النجس.
قال الإمام ابن عابدين الحنفي في "رد المحتار": "النجس يطهر بتبدل
العين... كخنزير غرق في ملاحة فصار ملحًا". وبناءً على هذا الأصل القديم،
يفتي بعض المعاصرين بجواز هذه البودرة ظنًّا منهم أن التصنيع يحيلها استحالة تامة.
مذهب
الشافعية والحنابلة: يرون أن الاستحالة لا تطهر النجس إلا في استثناءات ضيقة كتخلل
الخمر. قال الإمام النووي في "المجموع": "النجاسات كلها لا تطهر
بالاستحالة". وعليه، فالأصل النجس كالميتة يبقى نجسًا وإن تحول إلى رماد أو
مسحوق.
ثانيًا:
تنزيل حكم الاستحالة على الكولاجين والجيلاتين الحيواني
مجمع
الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة التعاون الإسلامي: حسم هذه المسألة بقراره
رقم 23 11/3 حيث نصّ على: "يجوز استخراج الجيلاتين من الحيوانات المباحة
المذكاة تذكية شرعية، ولا يجوز استخراجه من محرمات كجلود الخنازير وعظامها، أو من
حيوانات غير مذكاة".
المنظمة
الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت: عقدت ندوات متخصصة بمشاركة أطباء وكيميائيين
وفقهاء، وخلصت إلى أن مادة الجيلاتين والكولاجين المستخرجة من العظام والجلود لا
تتحقق فيها "الاستحالة التامة" بالمعنى العلمي والشرعي الدقيق الذي
يسلبها أصلها، بل هي تحول في الخواص الفيزيائية وبعض الروابط الكيميائية، ولذلك
بقيت على أصل المنع إذا كان المصدر غير حلال.
لجان
الإفتاء المعاصرة: تفتي أغلبها كالرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء
بالسعودية، ودور الإفتاء في ماليزيا ومصر بتجنب المنتجات الحيوانية المستوردة من
دول لا تعتمد الذبح الشرعي إلا بوجود شعار "حلال" من جهة رقابية إسلامية
موثوقة، إعمالاً لمبدأ الورع وسد الذرائع.
القواعد
الفقهية الحاكمة في استحالة المكملات الغذائية مجهولة المصدر:
الأصل
في اللحوم التحريم: هذه القاعدة الكبرى تعني أن أي لحم أو جزء
حيواني يُشك في طريقة ذبحه يُردّ إلى الأصل وهو التحريم الميتة حتى يثبت يقينًا
أنه ذُبح شرعًا.
اليقين
لا يزول بالشك: يقين تحريم الميتة لا يزول بالشك في حصول
الاستحالة التامة أثناء التصنيع، فما دام التحول الكيميائي محل شك وجدل بين
الخبراء، يبقى الأصل المقطوع به.
الخروج
من الخلاف مستحب: تفاديًا للخلاف الفقهي بين من يجيز بالاستحالة
ومن يمنع، يُستحب للمسلم ترك هذه المنتجات والتوجه للبدائل النباتية والبحرية
المجمع على حلّها.
دَعْ
ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ: حديث نبوي يمثل قاعدة عظيمة
في الورع، واستخدام كولاجين أو بروتين فيه شُبهة، مع تيسر المقطوع بحلّه، هو من
الوقوع في الريبة التي أمرنا بتركها. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
الاستحالة والاستهلاك وأثرهما على الأطعمة والأدوية