الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : الدعوة الإلكترونية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
9 - رقم الاستشارة : 5404
23/07/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنا صانع محتوى وداعية إلكتروني، أقدم برامج تخصصية للشباب عبر منصات التواصل الاجتماعي المختلفة منذ عدة سنوات. ألاحظ في الآونة الأخيرة تسارعاً مرعباً في انتشار الأزمات الأخلاقية والسلوكية بين المتابعين من فئة الشباب، كالإباحية الرقمية، والإدمان السلوكي، وتنامي العلاقات المحرمة العابرة، وسيولة القيم.
المشكلة الكبرى التي تؤرقني هي أنني أجد فجوة هائلة بين تعقيد هذه المشكلات وتشابك أسبابها النفسية والتقنية والاجتماعية، وبين "الخطاب الوعظي الرقمي السائد" الذي يقدم معالجات مكررة وسطحية تقتصر على بضع كلمات إنشائية مثل: "اتقوا الله"، أو "الخوف من سوء الخاتمة"، دون ملامسة حقيقية لآليات العلاج والوقاية الرقمية والنفسية الفعالة.
هذه السطحية تدفع الشباب المصابين بهذه الآفات إلى اليأس من العلاج والشعور بالذنب الدائم دون امتلاك خارطة طريق عملية للتعافي، مما يسبب لهم انتكاسات متكررة.
كيف يمكن للداعية الإلكتروني عبر الفضاء الرقمي صياغة محتوى دعوي وعلاجي مبتكر وعميق يوازن بين جذب المنصات وسرعتها، وبين تفكيك الأزمات السلوكية والأخلاقية بأسلوب علمي تطبيقي يحقق الشفاء والتحصين الفعلي؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، مرحبًا بك أيها الداعية المبارك وصانع المحتوى المسدد، وشكر
الله لك هذا الوعي الرفيع بطبيعة التحديات الرقمية؛ فإنَّ وضع اليد على خلل
"التسطيح الوعظي" في الفضاء الافتراضي هو خطوة استراتيجية بالغة الأهمية
للارتقاء بأدوات الدعوة المعاصرة وتحويلها من مجرد منابر للشعارات إلى محاضن
حقيقية للإصلاح والبناء.
إن الشريعة
الإسلامية قامت أحكامها وتوجيهاتها على التشخيص الدقيق للداء وتقديم الدواء
المتكامل الذي يراعي تركيبة الإنسان وعقله ونفسه؛ ومن يتأمل كتاب الله عز وجل يجد
أن الأوامر الأخلاقية والسلوكية لم تكن تأتي مجردة عن وسائل الوقاية وأسباب
التحصين، بل كانت تحيط بالمشكلة من جوانبها كافة. قال تعالى في سياق التحذير من
الفواحش: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾
[الإسراء: 32]؛ فالنهي جاء عن "القرب" وسد الذرائع والوسائل الموصلة
إليه، وليس عن الفعل مجردًا، وفي هذا منهج متكامل في الوقاية والتحصين يسبق
العلاج.
والداعية
الإلكتروني المعاصر الذي يتعامل مع مدمن على المواد الإباحية الرقمية مثلاً، لا
يمكنه الاكتفاء بالوعظ الزجري العام؛ لأن المشكلة تحولت لديه إلى ارتباط عصبي
ونفسي معقد يحتاج إلى خطوات عملية، وعزل تقني، ومرافقة سلوكية هادئة، كما قال الله
تعالى مبينًا التدرج والرحمة في إصلاح النفوس: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ
عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28].
إن النجاح في
تقديم محتوى دعوي رقمي رائد يتطلب الانتقال الفوري من عقلية "المتكلم الوعظي
الفرد" إلى مربع "صناعة المبادرات الرقمية متعددة التخصصات". يجب
على الداعية الرقمي أن يمزج بين النص الشرعي المحكم وبين علوم النفس، والاجتماع،
وآليات التعامل مع الإدمان السلوكي، وتطبيقات الحماية الرقمية؛ ليكون الخطاب
مقنعاً وممكناً من الناحية التطبيقية. الفضاء الافتراضي يفرض الاختصار، ولكن
الاختصار لا يعني التسطيح، بل يعني "التركيز والعمق والفاعلية"؛ بصياغة
رسائل قصيرة مركزة تقدم حلولاً مجزأة يسهل على الشاب التقاطها وتطبيقها في حياته
اليومية المزدحمة بالملهيات الرقمية.
ومن الناحية
الميدانية والتطبيقية لتطوير محتوى منصتكم، نوصي بتفعيل الخطوات التالية؛
أولاً: إنتاج
"سلاسل رقمية علاجية متخصصة مقسمة إلى خطوات صغيرة" (كحملات التعافي من
الإباحية أو ضبط الشاشات)، بحيث تعتمد كل حلقة على تقديم تمرين سلوكي أو تقني محدد
(كاستخدام تطبيقات الحجب، أو تغيير البيئة، أو تفعيل الرقابة المشتركة) مع ربطها
بالأبعاد الإيمانية كالتوبة والرجاء.
ثانيًا: بناء
"شراكات تكاملية خلف الكواليس" مع أخصائيين نفسيين ومستشارين سلوكيين
مسلمين ثقات، بحيث يقوم المحتوى الدعوي بدور الجذب والتوجيه الأولي، ثم يتم إحالة
الحالات الحادة والعميقة إلى غرف استشارية مغلقة أو منصات متخصصة لتلقي العلاج
السلوكي السري والمنظم.
ثالثًا: الانتقال
من محتوى "الخطاب الموجه من طرف واحد" إلى "المحتوى التفاعلي"
من خلال إطلاق تحديات جماعية رقمية (كتحدي ترك العادات السيئة لمدة أربعين يومًا)
وبناء مجتمعات افتراضية صالحة يتشارك فيها الشباب تجاربهم في التعافي ويدعم بعضهم
بعضًا في ظلال من الأخوة والدعم المتبادل.
وأنصحك
ختامًا بالآتي:
• تجنب أسلوب
التشهير أو الترهيب الجاف المفرط الذي يقطع حبال الرجاء في قلوب العصاة والمبتلين،
واجعل خطابك الرقمي دائمًا مفعمًا بالأمل، والرحمة، وباب التوبة المفتوح على
مصراعيه ليل نهار.
• طوّر مهاراتك
الفنية في صناعة المحتوى البصري (كاستخدام الرسوم المتحركة أو الإنفوجرافيك
التعليمي) لتبسيط المفاهيم العلاجية والشرعية المعقدة وجعلها أكثر جاذبية وتأثيرًا
في نفوس المشاهدين.
• خصص مساحات
دورية لبث روح الورع والرقابة الذاتية الإيمانية (مقام الإحسان) في نفوس الشباب،
فهو العاصم الحقيقي والأقوى للإنسان حين يختلي بشاشته وهاتفه في غياب أعين البشر.
وأسأل الله العلي
القدير أن يبارك في علمك ومنصتك، وأن يجعل إنتاجك الرقمي حجابًا للشباب من الفتن،
وبابًا للتعافي والسكينة والاستقامة، وأن يكتب لك القبول والإخلاص والرفعة في
الدنيا والآخرة.
روابط ذات صلة: