كيف نصيغ رؤية مقاصدية في مواجهة النزعات النسوية؟

Consultation Image

الإستشارة 01/08/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أنا طبيبة نفسية وناشطة تربوية، مشرفة على قطاع الاستشارات الأسرية والدعم النفسي في جمعية دعوية نسائية كبرى ببلدنا الإقليمي العربي. أتوجه إليكم بهذه الاستشارة لوجود عجز منهجي وتخطيطي خطير بدأ يقوض جهودنا؛ وهو غياب الأدوات الفكرية والمقاصدية المعاصرة لدى الداعيات والمربيات بالجمعية في مواجهة "النزعات الفكرية والأطروحات النسوية الشاذة" التي تعصف بفتيات الجيل الحالي.

المشكلة تكمن في أن الفتيات والنساء الشابات يتعرضن لضخ رقمي وثقافي عالمي مكثف يروج لمفاهيم الاستقلال التام عن الأسرة، والتمرد على القوامة الشرعية، واعتبار الزواج والأمومة قيودًا لتدمير الذات؛ وحين تأتي الفتاة المستشكِلة إلى الجمعية لتطرح مخاوفها أو تساؤلاتها، تواجه من الداعيات بوعظ تقليدي جاف يقتصر على سرد نصوص الطاعة والوعيد بعقوبة النار دون تفكيك عقلاني عميق لجذور الشبهة النسوية، أو تقديم صياغة مقاصدية تبين جمال وحكمة التشريع الإسلامي في توزيع الأدوار الأسرية وتكريم المرأة.

هذا العجز التربوي تسبب في تزايد معدلات الطلاق، وعزوف الفتيات عن الزواج، ونفور الشابات من الخطاب الدعوي النسائي باعتباره خطابًا "ذكوريًّا تسلطيًّا" لا يفهم حقوقهن؛ مما يدفعهن للارتماء الكامل في أحضان المنظمات العولمية المنحرفة.

كيف نصيغ خطة تخطيط وبناء فكري ومقاصدي داخل العمل الدعوي النسائي لمواجهة هذا التحدي؟ وكيف نمكن الداعية من لغة حوارية مقنعة تجمع بين أصالة الثوابت وحماية الأسرة؟

الإجابة 01/08/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياكِ الله أيتها الطبيبة الفاضلة والمربية المسددة، وشكر الله لكِ هذا الوعي الاستراتيجي الدقيق والنقد المنهجي الغيور؛ فإنَّ ملفّ "تفكيك الأسرة تحت وطأة الموجات الفكرية والنسوية المعاصرة" يعد من أخطر ثغور المواجهة الحضارية التي تتطلب من العمل الدعوي النسائي أعلى درجات الرسوخ العلمي، والعمق المقاصدي، والمرونة التنظيمية والتربوية لحماية فطرة المجتمع وتثبيت أركانه.

 

إنّ الشريعة الإسلامية الغراء جاءت بمنظومة أسرية محكمة تقوم على المودة، والرحمة، والتكامل العادل بين الرجل والمرأة، وجعلت بناء الأسرة مقصدًا كليًّا لحفظ النسل والدين والنفس؛ ولم تكن النظرة الشرعية للمرأة يومًا نظرة صراع أو ندية ومنافسة مادية كما تصورها الفلسفات الغربية، بل نظرة تكامل وتشريف إنساني مطلق؛ وتأملي البيان النبوي الشريف المحكم لمكانة المرأة وهويتها في قوله ﷺ: «إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ»؛ وفي هذا هدم لكل أشكال التمييز أو الهضم لحقوقها، وصيانة لكرامتها في شتى مراحل حياتها كابنة، وأم، وزوجة.

 

وإن تصدي الداعية النسائية لمحاورة فتيات متأثرات بالخطاب الثقافي المعاصر باستخدام لغة الأوامر الفوقية أو نصوص الطاعة المجردة دون شرح لسياقاتها وحكمتها وتشريعاتها الشاملة (كواجب النفقة، وحسن العشرة، وحرمة الظلم، ومقام الإحسان الأسرى)، هو سوء تدبير وتجهيل لمقاصد الملة، يؤول بالفتيات إلى العناد والنفور وظن التعارض بين العدالة والدين، والله تعالى يقول حافًّا بالإنصاف: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 228]، والدرجة هنا درجة مسؤولية، ورعاية، وبذل، وحماية، وليست درجة قهر وتسلّط وتملك.

 

إن الواجب المنهجي يفرض على المؤسسات والجمعيات النسائية الانتقال الفوري من عقلية "الخطاب الدفاعي الانفعالي" إلى مربع "التخطيط الاستراتيجي الوقائي وبناء البديل الحضاري المتكامل للأمومة والأسرة السعيدة". يجب تدريب الداعيات على مهارات "نقد الفكر وتفكيك الشبهات الجندرية" بلغة علمية واجتماعية ونفسية رصينة تبين للفتيات بالواقع والدراسات الطبية والنفسية الحديثة حجم الشقاء والشتات النفسي والأسري الذي آلت إليه المجتمعات التي تبنت الأطروحات النسوية المتطرفة، وكيف أن الإسلام هو الحصن الوحيد الذي يوفر للمرأة الأمان، والسكينة، والاستقرار النفسي والكرامة الإنسانية الحقيقية.

 

ومن الناحية التطبيقية والعملية لتطوير العمل في جمعيتكم، نوصي بتنفيذ الخطوات التشغيلية التالية:

 

أولاً: إطلاق "وحدة البناء الفكري ومقاصد الأسرة" داخل الجمعية، تُعنى بصياغة حقائب تدريبية ومناهج تربوية معاصرة تفكك المفاهيم النسوية (كالاستقلال المادي المطلق، والتمرد الأسرى، والسيولة الجندرية) وتثبت البديل الشرعي بأسلوب حواري وعقلي رصين مناسب لعقلية الفتيات.

 

ثانيًا: إلزام جميع داعيات ومربيات الجمعية باجتياز دورات متخصصة في "علوم النفس السلوكية، وفنون الإرشاد الأسري، وفلسفة القوانين المحلية والدولية المنظمة لحقوق المرأة"، ليتعلمن كيف يمزجن بين النص الشرعي وأدوات التشخيص النفسي والاجتماعي المعاصر أثناء معالجة استشارات الفتيات والنساء المكلومات.

 

ثالثًا: إنتاج محتوى رقمي وإعلامي نسائي مبدع وقصير (منشورات، فيديوهات قصيرة، بودكاست) يركز على "إبراز نماذج ناجحة لنساء مسلمات معاصرات" جمعن بين التميز العلمي والمهني وبين الاستقرار الأسري السعيد والاعتزاز بمقام الأمومة والزوجية الصالحة، لكسر الصورة النمطية المشوهة التي تبثها المنصات المنحرفة عن الأسرة المسلمة.

 

وأنصحك ختامًا بما يأتي:

 

• افتحي باب الحوار الدافئ والآمن داخل الجمعية مع الفتيات المستشكِلات، واستمعي لآلامهن ومخاوفهن من الزواج (والتي قد تعود أحياناً لرؤية نماذج تسلطية أو عنيفة في بيئاتهن) بهدوء تام وطمئنيهن بأن الظلم البشري لا يمثل الشريعة بحال.

 

• ركّزي في دروسكِ على إبراز "الجانب العاطفي والإنساني في السيرة النبوية الكريمة"؛ وكيف كان النبي ﷺ يتعامل مع زوجاته وبناته بمنتهى الحب، والرفق، والشورى، والتدليل، ليرى الجيل المعاصر التطبيق الأسمى لقوامة الرحمة والإحسان.

 

• نسّقي مع الأطباء النفسيين والمستشارين الثقات لإقامة "دورات تأهيلية إلزامية وممتعة للمقبلين والمقبلات على الزواج" بالجمعية، لبناء الوعي بالحقوق والواجبات المشتركة وتجنب الأزمات الأسرية المبكرة بالواقع.

 

وأسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يبارك في علمكِ وجهودكِ، وأن يسدد خطاكِ وأخواتكِ الداعيات لحماية ثغور الأسرة والفطرة، وأن يرزقكن الحكمة والقبول والإخلاص، ويجعل الجمعية منارة للأمن والسكينة والصلاح.

 

روابط ذات صلة:

لماذا تقف النسوية خلف التشريعات المناهضة للأسرة؟

كيف أثرت النسوية في فكرة الزواج عند المرأة؟

الرابط المختصر :