الإستشارة - المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
- القسم : الخطبة والعقد
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
279 - رقم الاستشارة : 3833
14/01/2026
السلام عليكم ورحمة الله، هل يجوز طلب الطلاق بسبب الإهمال والاختفاء المتكرر؟ أنا مخطوبة (مكتوب كتابي) بعقد شرعي ومحكمة، عمري ٣٠ سنة، وأتمنى أن أصبح أمًّا وأؤسس عائلة.
خطيبي عمره ٤٧ سنة، وكان شخصًا رافضًا للزواج، وهو مغترب يعمل في دول الخليج، بعد الحرب عاد، وهو ملتزم بصلاته، ونضاليٌّ قضى حياته في العمل، وقام أهله بخطبتي.
خلال الخطبة كان التواصل ضعيفًا، والمناقشة والحوار شبه معدومين، كان شخصًا لطيفًا لكن بشكل سلبي، باردًا جدًّا، دون ردّات فعل، وإذا تضايق من أمرٍ ما أو من شيءٍ فعلته أمي، كان يحاول تجاهل كلامي أو تغييره، ثم ينهي المكالمة ويختفي لعدة أيام، بعدها كانت عمته تتواصل معي لتخبرني أنه زعلان أو لا يحب الأمر الذي ناقشته معه ولم يعجبه، وأنه لا يحب أن يذكر له أحد موضوع المستقبل.
كنت مصدومة بطريقته في حل المشاكل، وانزعجت من تدخل عمته، بعد ذلك حاولت أن أجد طريقة نتفق فيها على أمور حياتنا القادمة، فكان يرد فقط على أمور محددة وبنفس الجواب، وإذا لم يعجبه أمر ما، ينسحب ليوم أو يومين أو أسبوع، وكنت دائمًا أبرر له أفعاله، وأحيانًا لا أحسن عتابه أو مواجهته، فكان ردّ فعله نفسه.
ومع الأيام زادت مخاوفي من تصرفاته، خاصة أنه يتحدث معي بتثاقل، وأكون أنا أكثر انفعالية حتى آخر مشكلة في شهر ١١، وكانت بسبب أني طلبت منه أن نتحدث في مكالمة لأفهم منه أمرًا معينًا، وكان يرفض، وعندما ردّ أخبرني أنه اتصل لأن والده طلب منه ذلك، هنا شعرت أنني لا شيء في نظره.
حاولت أن أهدأ، وقلت له إن تصرفاته واختفاءه المفاجئ يؤذيانني، فقال: «أنا أعتذر وحقك عليّ»، ثم بدأ يقلب الطاولة عليّ، واتهمني أنني حساسة وأبالغ في الأمور، وأنه ليس لدي توكّل على الله في شؤون حياتي.
أنهيت المكالمة بعدها بيوم اتصل بي، وهو ليس من عادته أن يتصل يومين متتاليين، لم أكن أرغب في الحديث وكنت معصّبة، وعندما تحدثنا عادت المشاكل، أخبر أهله، فأخبروا أهلي وعاتبوني، ذهب أهلي ثم عادوا وبدؤوا يلومونني، وحاولوا التواصل معه ليفهموا المشكلة، ردّ على أبي بعد ١٠ أيام، وعلّل ذلك بأنه مشغول بالعمل، وبعدها لم يعد يتحدث مع أحد: لا مع أهلي ولا مع أهله ولا معي، حتى اليوم.
شعرت أنني انكسرت، وأنه يرى نفسه أفضل مني، وأني لن أتقبل هذا التصرف من اختفاء دائم وتراكم للمشاكل، لذلك قررت الانفصال عنه (الطلاق)، لأنني لن أستطيع الاستمرار معه، ونفسي لم تعد تقبله، هل يجوز أن أطلب الانفصال؟ وهل عليّ إثم إذا انفصلت؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك ابنتي الكريمة في موقعك بوابة الاستشارات الإلكترونية.
في البداية أريد أن أخبرك أنه لا دليل على أنه يرى نفسه أفضل منك، فكل ما يقوم به من سلوكيات تزعجك تدل على اختلاف في الطبيعة الشخصية بينك وبينه وخلل في إدارة الخلاف، وقد تدل على أن لدية مشكلات شخصية متعلقة برؤيته للزواج والحياة عمومًا، لكن لم يبدُ لي من سطورك أنه يتعالى عليك أو يرى نفسه في منزلة أعلى، فإن كان هذا التفسير (التعالي) هو الدافع الأساسي لك لطلب الطلاق، فأرجو أن تراجعي موقفك...
لكن دعينا في البداية نكشف الطبقات التي تكونت منها علاقتك به حتى تبدو الأمور أكثر وضوحًا وتتخذي قرارك وأنت على بينة منه.
طبيعة شخصيته
ابنتي الكريمة، بالطبع ليس من العدل أن أحاول شرح شخصية خطيبك بناء على ما ذكرته عنه، ولكن دعينا نبحث عن بعض الإشارات التي تهمك:
- بقاء هذا الرجل دون زواج حتى وصل عمره لـ47 عامًا ورفضه للزواج طيلة هذه الفترة رغم ثرائه يثير الكثير من علامات الاستفهام عن رغبته الحقيقية في الزواج والاستقرار وبناء أسرة.. هو رجل متدين يحب العمل فيه كثير من المميزات يحاول أن يرضي أهله ويسعدهم، لكن رغبته الجادة في الزواج مسألة بحاجة للمناقشة.
- التواصل الضعيف أثناء الخطبة والحوار والنقاش شبه المعدومين كان مؤشر خطر يدفعك للتراجع قبل عقد وتوثيق الزواج، فهو يدل على أنه كشخص ضعيف التواصل بوجه عام أو أنه لا يرغب في التواصل معك.
- رده على والدك بعد عشرة أيام كاملة وتعلله بالعمل دلالة واضحة أن لديه ضعفًا في التواصل بوجه عام وضعفًا في التواصل معك ومع عائلتك بوجه خاص.
- رغم أن زوجك يقترب من الخمسين من العمر فإنه لم يستطع تطوير وسيلة تواصل ذاتية، فهو يعتمد على عائلته ليس في اختيار فتاة مناسبة فحسب بل وفي حل كل الخلافات العالقة.
- الرجل ليس لديه القدرة على شرح ما يزعجه لك فيلجأ لعائلته حتى يتدخلوا ويشرحوا ويوضحوا.
- قد تكون المسألة عدم قدرة ولكنها عدم رغبة في الشرح والحوار والاستماع والرد.
- الظاهر من كلامك أنه شخص هادئ للغاية حد البرود لا يتفاعل ولا ينفعل.. يهرب من المواجهات وينسحب من الحوار.
- لست أدري لمَ يهرب من الحديث عن المستقبل وكيف يرى في ذلك توكلاً على الله؟ ووصفه لك بأنك لا تتوكلين على الله لأنك تناقشينه في نقطة خاصة بالمستقبل تدل على نمط فكري مختلف.
- شعرت من رسالتك أنه ليس لديه شغف بالحياة، كما أن الفارق العمري والفكري والحياتي بينكما واسع.
هل الطلاق هو الحل؟
في البداية أريد أن أوضح لك أن الطلاق هو شرع الله عز وجل وأن المحرم أن تطلب المرأة الطلاق من غير بأس (أيما امرأة سألت زوجها طلاقا من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة)، لكن والأمور لا تسير بشكل طبيعي على هذا النحو فعدم إكمال هذا الزواج وأنت ما زلت في مرحلة عقد الزواج أفضل من إتمامه ثم الطلاق بعد ذلك.. لكن ألا يوجد حل غير الطلاق؟.. هذا ما ينبغي أن تفكري فيه.
لقد استوقفتني جملتك (وعندما تحدثنا عادت المشاكل، أخبر أهله، فأخبروا أهلي وعاتبوني، ذهب أهلي ثم عادوا وبدؤوا يلومونني)، وبغض النظر عن التدخل المتزايد لأهله حيث يخبرهم ويدخلهم في كافة التفاصيل الخلافية.. لكن موقف أهلك وعائلتك هو ما أثار اهتمامي لقد عادوا يلومونك أنت، فلماذا؟
أنت لم تحكِ الكثير عنك وعن طريقتك في التعامل معه، ذكرت فقط في المحادثة الأخيرة بينك وبينه (لم أكن أرغب في الحديث وكنت معصّبة، وعندما تحدثنا عادت المشاكل)، فما هو شكل عصبيتك هذا؟ وما دور هذه العصبية في اشتداد الخلاف على هذا النحو؟
لقد ذكرت أيضًا أنك لم تعودي متقبلاه وكتبت رسالتك هذه وشعور عدم التقبل يسيطر عليك، فهل كنت موضوعية في نقل تفاصيل الخلاف بينك وبينه؟ هل كنت موضوعية في شرح مميزاته وعيوبه؟ أريدك ألا تتخذي قرارك تحت وطأة الغضب حتى لا تعودي وتشعري بالندم بعد ذلك.
اللقاء الأخير
على أي حال إذا فكرت بموضوعية وانتهيت إلى أنكما شخصيتان مختلفتان فاطلبي لقاء مباشرًا وجهًا لوجه معه، واعتبري هذا فرصتكما الأخيرة، وقولي له ما يؤلمك وما تشعرين به بطريقة مهذبة راقية وابتعدي عن توجيه أصابع الاتهام له.
كوني هادئة ونبرة صوتك منخفضة واستمعي له وأديري الحوار بطريقة ذكية.. اسئلي أسئلة مفتوحة حتى يتحدث وتفهمي وجهة نظره بشكل أوضح.
استعدي لهذا اللقاء جيدًا صلي ركعتين قيام الليل وادعي دعاء قضاء الحاجة وتصدقي بصدقة بسيطة، ولا تذهبي ونية الطلاق تسيطر على عقلك، بل اجعلي نية الصلح هي المسيطرة، وافتحي أهم الموضوعات التي تزعجك، فقد تكتشفين أن خلف القشرة القاسية الباردة قلبًا دافئًا لم يحصل على فرصته بعد.. قد تكتشفين أن خلف رفضه للحديث عن المستقبل تجربة قلقة بحاجة لاحتوائك، وقد تكتشفين أيضًا أنه لم يتزوج إلا لإرضاء أهله وأنه لا رغبة له في الزواج.
كل الاحتمالات مفتوحة لكن اذهبي أنت بنية طيبة (وإنما الأعمال بالنيات)، والنية الطيبة لا تعني الغباء أو تجاهل الإشارات الواضحة، وحسن الظن لا يتعارض مع الفطنة، أو كما قال عمر: (لست بالخب ولا الخب يخدعني)، فأنت لست ماكرة مخادعة، ولكن ينبغي أيضًا ألا تتعرضي للخداع حتى لو كان مغلفًا بغلاف ديني أنيق أو حتى لو كان خداعًا لا واعيًا من شخص غير راغب في الزواج وكل ما يشغله هو رضا عائلته وصورته الاجتماعية في بلده.. لا نريد أن نحكم أو أن نسبق الأحداث..
توكلي على الله، وأصري على هذا اللقاء، فطلبك للقاء لا يقلل منك ودلالة أكيدة على جديتك وصدقك، وربي ييسر أمرك ويسعد قلبك ويصلح أحوالك، ولا تترددي في الكتابة لنا مرة أخرى.
روابط ذات صلة: