الإستشارة - المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
- القسم : الخطبة والعقد
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
263 - رقم الاستشارة : 3932
26/01/2026
السلام عليكم ورحمة الله..
أنا فتاة مكتوب كتابي ولدي مشكلة غريبة فأنا أشعر إنني حميمية جدا في علاقتي بزوجي وحماتي بينما هما فاتران للغاية معي. لم يرتكبا خطأ ولكن أشعر أنه لا يوجد اهتمام .. تحية فاترة.. كلمات بسيطة ومحدودة ورسمية .. هدايا عادية جدا جدا. أشعر أنني أقدم الكثير من الاهتمام.
والسؤال وأنا بطبيعتي أقدم الكثير من الخدمات لمن حولي وأعاني بوجه عام إنني لا ألقي التقدير الكافي لما أقدمه .. أنا خائفة أن أظل أعطي ولا آخذ شيء في المقابل .. أخاف أن أفضل أضحي وأقدم مصلحة الآخرين على نفسي وأكون بظلم نفسي .. ما هو توجيهكم؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ابنتي الكريمة، وأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك في موقعك بوابة الاستشارات الإلكترونية.
غاليتي، العلاقات الصحية الطبيعية هي علاقات تبادلية .. علاقات فيها أخذ وعطاء حتى لو طرف قدم أكثر يكون ذلك في الحدود الآمنة التي تحقق التوازن.
أما الطرف التي تقوم هويته على العطاء فقط ويلعب دور المنقذ دائمًا فهذا الطرف قد يستهلك تمامًا، وقد يصاب في نهاية المطاف بصدمة ورد فعل عنيف وحاد.
المشكلة أنه يستمر لفترة طويلة يعطي ويهتم، لا لأنه يريد ذلك، لكن لأنه غير قادر على قول لا، وغير قادر على تجاوز الصورة التي رسمت له كشخص معطاء ولطيف.
الفتور في العلاقات
أحيانًا تتعامل مع شخص بلطف وحميمية وترفع الحواجز، لكنه لا يتجاوب معك ولا ينطبق عليه قانون أن لكل فعل رد فعل مساويًا له في المقدار.. فرد فعل بعض الأشخاص على هذا اللطف لا يكون لطفًا مساويًا أو حتى مقاربًا.
بعض الأشخاص لديهم مشاعر استحقاقية عالية فيرون أنهم يستحقون المعاملة الأفضل والاهتمام الأكثر، والسؤال دائما دون أن يتوقفوا ليسألوا أنفسهم على أي شيء استندوا لهذه الاستحقاقية.
بعض الناس اعتادوا على الأخذ حد أنهم يشعرون أنه حقهم المكتسب، فإذا تكاسلت عن العطاء أو قللت درجته يغضبون ويشعرونك بالتقصير وإذا حاولت التبرير لا يتفهمون، أما إذا أخطأت خطأ بسيطًا غير مقصود فلا يمكنهم التغافل أو التبرير.
الإيثار في العلاقات
وهنا ينبغي أن نفرق بين أمرين: بين علاقات طبيعية صحية مزدوجة تقوم على التوازن بين العطاء والأخذ وبين علاقات إنسانية أحادية لا نريد منها غير ابتغاء وجه الله.. علاقات تقوم على الإيثار والتضحية والعطاء دون الأخذ، يقول ابن مسكويه عن الإيثار: هو فضيلة للنفس بها يكف الإنسان عن بعض حاجاته التي تخصه حتى يبذله لمن يستحقه.
لقد أثنى القرآن على الأنصار لما قدموا ومنحوا حد أن وصلوا لمرحلة الإيثار ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
هذا عطاء مادي ومعنوى جماعي دون انتظار أي مقابل، يشبه ذلك على المستوى الفردي ما قام به أبو بكر الصديق رضي الله مع ابن خالته مسطح بن أثاثة فكان يعطيه وينفق عليه ويشفق به دون انتظار أن يأخذ منه شيئًا أو يريد جميله، العكس هو ما حدث خاض مسطح في الحديث عن أم المؤمنين عائشة وتورط في حادثة الإفك مع الخائضين.
فلما بلغ ذلك أبو بكر أقسم ألا يعطيه مرة أخرى أو ينفق عليه فنزلت آيات من القرآن تعاتب الصديق ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّـهُ لَكُمْ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، قال أبو بكر رضي الله عنه: بلى؛ أي: أُحب أن يغفر الله لي وأن يعفو عني، ورد له العطاء والنفقة.
متى تنجح العلاقة الأحادية؟
من الممكن أن يعطي الإنسان في علاقة إنسانية أحادية فقط عندما لا ينتظر الجزاء إلا من الله، وفي هذه الحالة لن يشكو من الطرف الذي يأخذ لأنه لا ينتظر منه شيئًا بشكل حقيقي وليس كلامًا نظريًّا.. لن يتألم قلبه.. هنا هو يعطي ولا يرى إلا الله في عطائه، سواء كان هذا العطاء ماديًّا أو معنويًّا، وهذه درجة لا يتحملها معظم البشر، فإذا شك الإنسان في قدراته فليس عليه أن يغامر في علاقة طويلة الأمد كعلاقة زواج.
البشر متفاوتون في القدرة على العطاء والمنح، فقد تستطيع أن تؤْثر إنسانًا على نفسك دائمًا، وقد تستطيع أن تؤْثر إنسانًا على نفسك بعض الوقت.
الاحتياجات الأساسية
ابنتي الغالية، قد تستطيعين أن تمنحي إنسانًا لا تربطك به صلة عميقة أو لا تنتظرين منه تلبية احتياج أساسي لديك، لكنك لا تستطيعين أن تبقي في علاقة أحادية مع شخص تربطك به علاقة أنت لديك احتياجات فيها.
ابنتي الكريمة، ذكرت لك هذا التحليل حتى تنزليه على واقعك وعلى علاقتك بزوجك وعلى علاقتك بحماتك.
العلاقة مع زوجك هي علاقة تشبع لديك احتياجات أساسية لا يمكن تجاهلها، وإلا لأصبح زواجا بلا معنى ولا مضمون.
عندما تكون صاحبة الاستشارة زوجة من سنوات طويلة ولديها أطفال يكون العطاء الأحادي خيارًا متاحًا وليس ملزمًا.. إنما أنت لم تبدئي حياتك الزوجية بعد، فلا بد أن تفكري بصورة واقعية في حدود قدراتك وحدود ما يستطيع أن يقدمه له زوجك والحد الأدني الذي تحتاجين إليه كي تشبعي احتياجاتك. وهل هو متوفر أم لا في هذه العلاقة؟
فإن توفر فهذا هو الأساس الذي يجعلك تستمرين في هذا الزواج.
الحماة الفاترة
أما بالنسبة لحماتك فأمامك أحد خيارين:
الخيار الأول: أن تتعاملي معها بفتور يشبه فتورها ودون أن ترتكبي أي خطأ تمامًا كما تفعل معك، حالة من السلام البارد يمكن أن تستمر لسنوات دون تحريض منك أو لوم أو نقد أو شكوى للزوج أو محاولة لإبعاد أحفادها المستقبليين عنها.
الخيار الثاني: أن تقدمي لها العطاء دون انتظار المقابل خاصة في الجوانب التي تحتاجها تبتغين بذلك وجه الله.
ويمكنك الدمج بين الخيارين، فلا تمنحي لها أشياء لا تطلبها أو لا تقدرها كأن تتعاملي معها كصديقة وهي لا ترغب في صداقتك، وعندما تكون في حاجة حقيقية لك مثلاً في وقت مرض تقدمين لها ما تحتاجه دون رغبة في انتظار المقابل، ليس لأن ذلك فرض عليك ولكن ابتغاء رضا الله.
خلاصة القول -يا ابنتي- هو أن زوجك هو الأساس، فإن وجدت لديه الحد الأدنى الذي تحتاجين إليه من الدفء والاهتمام فلا تشغلي ذهنك بوالدته وفتورها، فليست طرفًا أساسيًّا في حياتك خاصة وهي لا تؤذيك ولا تحرض ابنها ضدك، أما فتورها فأمر يمكنك التعامل معه.. أسعد الله قلبك يا ابنتي، وتابعيني بأخبارك دائمًا.
روابط ذات صلة: