الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
157 - رقم الاستشارة : 4421
24/03/2026
ما حكم اقتطاع جزء من الطريق موجود بجوار المسجد الرئيس ليكفي أعداد المصلين في يوم العيد ويوم الجمعة، علما بأن المسجد في شارع جانبي، والعديد من المساجد تفعل هذا في مصر، ولا يستطيع أحد أن يمر عندما يفترش المصلون الطريق، وعموما الناس كما أعتقد معتادة على ذلك أيام الجمعة والعيدين لكن هل يعد ذلك تعديا على الطريق؟
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فالحكم مختصرًا: ما يحدث في مصر في الشوارع الجانبية أيام الجمعة والأعياد يُعد من "العفو"، ومن قبيل "الارتفاق العام" الذي استقر عليه العرف ما دام المسجد ضيقًا والمدة قصيرة، ولا يعد تعديًا آثمًا ما لم يتعمد المصلون سد الطريق مع وجود سعة داخل المسجد، أو منع مصلحة ضرورية لا تقبل التأجيل.
وهذه المسألة تعد من القضايا المتكررة في واقعنا المعاصر، وهي تقع تحت باب "الارتفاق بالطريق العام" في الفقه الإسلامي، حيث يتنازع الطريق حقان: حق المصلين في أداء الشعيرة، وحق المارة في سلوك الطريق.
وتفصيلاً نقول وبالله التوفيق:
1. الأصل الشرعي لحق الطريق
اتفق الفقهاء على أن الطريق العام ليس ملكًا لأحد، بل هو "منفعة عامة" لجميع الناس. وقد شدد النبي ﷺ على حرمة الطريق بقوله: "إياكم والجلوس في الطرقات"، ولما سأله الصحابة عن حاجتهم للجلوس، قال: "فإذا أبيتم إلا الجلوس فأعطوا الطريق حقه"، ومن حق الطريق "كف الأذى" و"إرشاد السبيل".
2. حكم الصلاة في الطريق (آراء المذاهب)
اختلف الفقهاء في حكم الصلاة في الطريق العام على قولين أساسيين:
* القول الأول (الكراهة أو المنع): ذهب جمهور الفقهاء (الشافعية والحنابلة ورواية عن مالك) إلى كراهة الصلاة في الطريق العام؛ واستدلوا بحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ: "نهى أن يُصلى في سبعة مواطن: المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق..." (وإن كان في سنده ضعف، لكن معناه مجمع عليه). وذلك لأن الصلاة في الطريق تمنع المارة من حقهم، وتُعرض المصلي للنجاسة أو الانشغال بمرور الناس، مما ينافي الخشوع.
* القول الثاني (الجواز للحاجة): ذهب الحنفية والمتأخرون من الفقهاء إلى جواز الصلاة في الطريق إذا ضاق المسجد بالمصلين، بشرط عدم الإضرار الكلي بالناس، وبشرط اتصال الصفوف.
3. متى يعد "تعديًا" ومتى يعد "ارتفاقًا مشروعًا"؟
فرق الفقهاء المعاصرون والمتخصصون في فقه النوازل بين حالتين:
أولاً: الارتفاق المشروع (الجواز): يجوز افتراش الطريق في الجمعة والعيدين بالضوابط التالية:
أ- ضيق المسجد: أن يمتلئ المسجد تمامًا ولا يجد المصلون مكانًا بالداخل.
ب- اتصال الصفوف: أن تكون الصفوف في الشارع متصلة بصفوف المسجد (يرى بعض الفقهاء جوازها إذا أمكن رؤية الإمام أو سماع صوته حتى لو وجد فاصل يسير كطريق صغير).
جـ- المؤقتية: أن يكون الاقتطاع لوقت الصلاة فقط (نحو 20 دقيقة)، ثم يُخلى الطريق فورًا.
د- العرف العام: بما أن الناس في مصر -كما ذكرت- قد جرى عرفهم على التسامح في هذا الوقت، فإن "العرف مُحكّم"، ويعتبر السكوت والرضا الشعبي بمثابة إذن ضمني بالارتفاق المؤقت.
ثانيًا: التعدي المذموم (الحرمة): يصبح افتراش الطريق تعديًا و"غصبًا" للمنفعة في حالات:
أ- وجود سعة في المسجد: إذا كان المسجد واسعًا من الداخل أو له طوابق عليا فارغة، ومع ذلك يصر البعض على الصلاة في الشارع طلبًا للهواء أو التكاسل عن الدخول؛ فهذا "تعدٍ" لا يجوز.
ب- الإضرار بالمصالح الضرورية: كأن يؤدي إغلاق الشارع إلى منع وصول سيارة إسعاف أو إطفاء، أو تعطيل مريض يحتاج للوصول للمشفى. هنا تأتي القاعدة الفقهية: "الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف"، وصلاة الجماعة سنة أو فرض كفاية عند البعض، بينما إنقاذ النفس فرض عين، فيُقدم حق المارة.
جـ- إغلاق الطرق الرئيسية: الصلاة في "الشوارع الجانبية" أخف وطأة، أما تعمد إغلاق الشرايين الرئيسية للمدينة بحيث تتعطل حياة آلاف الناس تمامًا، فهو أمر يتنافى مع مقصد الشرع من "إماطة الأذى عن الطريق".
4. المنهج الصحيح والحلول المقترحة
يرى المحققون أن الحكم يدور مع "المصلحة" و"عدم الضرر":
* توجيه للمصلين: لا يجوز "حجز" أماكن في الشارع قبل الصلاة بمدة طويلة تمنع مرور السيارات.
* توجيه لإدارة المسجد: يجب تنظيم الصفوف بحيث يُترك "ممر" ولو ضيق للمشاة والحالات الطارئة قدر الإمكان.
* القاعدة الذهبية: "لا يُزال الضرر بضرر مثله"، فلا يصح أن نتقرب إلى الله بعبادة (صلاة الجماعة) على حساب إيقاع الظلم والضرر بالآخرين (منعهم من الطريق).
وتؤكد دار الإفتاء المصرية في العديد من فتاواها (ومنها الفتوى رقم 2841 وغيرها من الفتاوى المتعلقة بـ "الصلاة في الشوارع والطرقات") على منهج وسطي يجمع بين تعظيم الشعائر وعدم الإضرار بالناس.
وإليك ملخص ما استقر عليه الفتوى الرسمية في مصر بهذا الشأن:
1. حكم الصلاة في الشارع عند امتلاء المسجد
ترى دار الإفتاء أن الصلاة في الشوارع المحيطة بالمساجد في الجمعة والأعياد "جائزة شرعًا" ولا حرج فيها، بشرط أن يمتلئ المسجد بالمصلين حتى تتصل الصفوف وتصل إلى خارج المسجد. وتعتبر الصلاة حينها صحيحة ومجزئة ما دام المصلي يسمع صوت الإمام ويتابع حركاته.
2. ضابط "الضرورة والحاجة"
تشدد الفتوى على أن هذا الجواز مقيد بوجود "حاجة حقيقية"، فإذا كان في المسجد سعة (مثل وجود طوابق عليا أو ساحات داخلية فارغة) ومع ذلك افترش الناس الطريق، فإن فعلهم هذا يكون "مكروهًا كراهة شديدة"، وقد يصل إلى الحرمة إذا ترتب عليه تعطيل مصالح الناس بغير ضرورة، لأن "دفع الضرر مقدم على جلب المصلحة".
3. حق المارة وحالات الطوارئ
تنبه دار الإفتاء إلى أمر غاية في الأهمية، وهو أن "حرمة الطريق" تظل قائمة حتى وقت الصلاة؛ لذا يجب على القائمين على المساجد والمصلين:
* ترك ممر كافٍ لعبور المشاة والحالات الضرورية.
* عدم إغلاق الشوارع الرئيسية التي تمثل شريان حياة للمنطقة (مثل الطرق المؤدية للمستشفيات).
* إخلاء الطريق فور انتهاء الصلاة مباشرة وعدم الجلوس فيه لتبادل التهاني أو الأحاديث الجانبية بشكل يغلق المسار.
4. القاعدة الفقهية المتبعة
تستند دار الإفتاء في ذلك إلى قاعدة: "ما ضاق الأمر إلا اتسع"، وقاعدة "الضرورات تبيح المحظورات" (باعتبار ضيق المسجد ضرورة مؤقتة)، مع التأكيد على أن "ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها"، أي أن الاقتطاع من الطريق يكون في أضيق حدود الوقت والمكان.
5. التوصية التنظيمية
تنصح الدار دائمًا بالتنسيق مع الجهات المختصة (المحليات والمرور) في المساجد الكبرى، لتنظيم حركة السير وضمان عدم حدوث تكدس مروري يعطل معايش الناس، صونًا لهيبة العبادة ومنعًا لوقوع المشاحنات بين المصلين والمارة. والله أعلى وأعلم.
روابط ذات صلة: