إفشاء الطبيب أسرار المريض.. حكمه وعقوبته

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
  • القسم : قضايا معاصرة
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 898
  • رقم الاستشارة : 3168
02/11/2025

ما حكم الطبيب الذي يفشي أسرار المريض وما عقوبته؟

الإجابة 02/11/2025

فالطبيب مؤتمن على مريضه، ولا يجوز له شرعًا إفشاء أسراره التي أفضى إليه بها من أجل إطلاعه على تفاصيل أعراض المرض حتى ييسر له التشخيص الصحيح، ومن ثم العلاج الناجع، ولا يجوز له إفشاء هذه الأسرار حول طبيعة المرض إلا إذا كانت هناك مصلحة راجحة للمريض، أو خوف عليه من أعراض المرض، فإن فعل الطبيب هذا بغير ضرورة تجيزه فهو آثم شرعًا، ومن حق المريض أو أوليائه ملاحقته قانونًا حتى ترفع الجهات المختصة هذا الضرر، أو تعوضهم عنه.

 

تحريم إفشاء الأسرار

 

جاء في الموسوعة الميسرة في القضايا المعاصرة:

 

دلت النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة النبوية على تحريم إفشاء الأسرار، وأن صاحبها مستحق للعقوبة الأخروية، بل ذكر بعض الفقهاء أن هذا الفعل يعد من الكبائر.

 

ويمكن أن يستدل على التحريم بالأدلة التالية:

 

الدليل الأول: عموم النصوص الدالة على فضيلة الوفاء بالعهود وحفظ الأمانات، ووجوب أدائها لأهلها، وجعلها من صفات المؤمنين، وكذا النصوص المحذرة من تضييع الأمانة والتفريط في حفظها.

 

الدليل الثاني: أن في إفشاء سر المريض بغير إذنه عدوانًا عليه، وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن العدوان.

 

الدليل الثالث: عموم النصوص المرغبة في ستر المؤمن.

 

الدليل الرابع: أن في إفشاء سر المريض ضررًا نفسيًّا وأذى معنويًّا له، بل يترتب على كشف الأسرار الطبية الإضرار بالمهنة نفسها؛ لأنه عندما يفقد المريض الثقة بالطبيب فإنه لن يبوح له بكل ما لديه، وبالتالي لا تنكشف حقيقة المرض، وهذا كله من الضرر المنهي عنه شرعًا.

 

الدليل الخامس: أجمع أهل العلم على وجوب ستر العورة، وهذا الستر وإن كان واجبًا على كل أحد في نفسه، فهو واجب على من يطلع على عورة غيره لقصد صحيح، وبإذن شرعي؛ كالأطباء ومن في حكمهم، والعورة تطلق على كل ما يكره المرء اطلاع غيره عليه، سواء أكانت عورات حسية أم أسرارًا معنوية.

 

الدليل السادس: أن الله سبحانه وتعالى أمر بحفظ النفس المعصومة واحترامها، وحرّم المساس بجسم الإنسان، سواء أكان ذلك المساس ماديًّا أم معنويًّا، ومن المساس المعنوي: إفشاء الأسرار الخاصة بجسم الإنسان.

 

وجاء في قرار مجمع الفقه الدولي بشأن السر في المهن الطبية:

 

إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر سيري بيجوان، بروناي دار السلام من 1-7 محرم 1414هـ الموافق 21-27 حزيران (يونيو) 1993م، بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع السر في المهن الطبية،

وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، قرر ما يلي:

 

السر أمانة

 

أولًا: السر هو ما يفضي به الإنسان إلى آخر مستكتمًا إياه من قبل أو من بعد، ويشمل ما حفت به قرائن دالة على طلب الكتمان إذا كان العرف يقضي بكتمانه، كما يشمل خصوصيات الإنسان وعيوبه التي يكره أن يطلع عليها الناس.

 

ثانيًا: السر أمانة لدى من استودع حفظه، التزامًا بما جاءت به الشريعة الإسلامية وهو ما تقضي به المروءة وآداب التعامل.

 

ثالثًا: الأصل حظر إفشاء السر. وإفشاؤه بدون مقتضِ معتبر موجب للمؤاخذة شرعًا.

 

رابعًا: يتأكد واجب حفظ السر على من يعمل في المهن التي يعود الإفشاء فيها على أصل المهنة بالخلل، كالمهن الطبية، إذ يركن إلى هؤلاء ذوو الحاجة إلى محض النصح وتقديم العون فيفضون إليهم بكل ما يساعد على حسن أداء هذه المهام الحيوية، ومنها أسرار لا يكشفها المرء لغيرهم حتى الأقربين إليه.

 

حالات يجب فيها إفشاء السر

 

خامسًا: تستثنى من وجوب كتمان السر حالات يؤدي فيها كتمانه إلى ضرر يفوق ضرر إفشائه بالنسبة لصاحبه، أو يكون في إفشائه مصلحة ترجح على مضرة كتمانه، وهذه الحالات على ضربين:

 

أ– حالات يجب فيها إفشاء السر بناء على قاعدة ارتكاب أهون الضررين لدفع أشدهما، وقاعدة تحقيق المصلحة العامة التي تقضي بتحمل الضرر الخاص لدرء الضرر العام إذا تعين ذلك لدرئه.

 

وهذه الحالات نوعان:

 

* ما فيه درء مفسدة عن المجتمع.

 

* وما فيه درء مفسدة عن الفرد.

 

ب – حالات يجوز فيها إفشاء السر لما فيه:

 

* جلب مصلحة للمجتمع.

 

* أو درء مفسدة عامة.

 

وهذه الحالات يجب الالتزام فيها بمقاصد الشريعة وأولوياتها من حيث حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.

 

سادسًا: الاستثناءات بشأن مواطن وجوب الإفشاء أو جوازه ينبغي أن ينص عليها في نظام مزاولة المهن الطبية وغيره من الأنظمة، موضحة ومنصوصًا إليها على سبيل الحصر، مع تفصيل كيفية الإفشاء، ولمن يكون، وتقوم الجهات المسؤولة بتوعية الكافة بهذه المواطن.

 

ويوصي بما يلي:

 

دعوة نقابات المهن الطبية ووزارات الصحة وكليات العلوم الصحية بإدراج هذا الموضوع ضمن برامج الكليات والاهتمام به وتوعية العاملين في هذا المجال بهذا الموضوع. ووضع المقررات المتعلقة به، مع الاستفادة من الأبحاث المقدمة في هذا الموضوع. أ.هـ.

 

والله تعالى أعلى وأعلم.

 

 

روابط ذات صلة:

ضمان الطبيب.. حقيقته وحكمه وضوابطه

 

الرابط المختصر :