الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
25 - رقم الاستشارة : 5085
18/06/2026
ما الأحكام الفقهية المتعلقة بإيداع الوالدين أو أحدهما في "دور الرعاية المسنين" (المصحات)؟ هل يُعد ذلك من العقوق المحرم مطلقاً، أم أن هناك حالات رخصة تبيح ذلك عقلأً وشرعاً؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، فقد عظّم الإسلام
حق الوالدين المقرون بعبادة الله وتوحيده في آيات شتى، وجعل برهما وتوقيرهما عند
الكبر من أوجب الواجبات وأعلى القربات. وبسبب التغيرات الاجتماعية المعاصرة، وظهور
أنماط معقدة من الأمراض المزمنة التي تصيب كبار السن كالزهايمر والخرف الشديد التي
تتطلب رعاية طبية تخصصية على مدار الساعة، برزت مسألة إيداع الوالدين أو أحدهما في
"دور رعاية المسنين" أو المصحات العلاجية. وتأتي هذه الفتوى لبيان الخط
الفاصل بين البر المشروع والعقوق المحرم في التعامل مع هذه النازلة الفقهية.
اختصارًا: الأصل الشرعي أن إيداع الوالدين أو أحدهما في دور المسنين للتخلص من
أعبائهما، أو هربًا من مسؤوليتهما مع قدرة الأبناء على رعايتهما في البيت، هو عقوق
غليظ ومحرم شرعًا، وينافي البر المأمور به في قوله تعالى: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ
عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُوفٍ}.
وفي حالات الترخص والاستثناء يجوز شرعًا إيداع الوالد أو
الوالدة في مصحة علاجية أو دار رعاية متخصصة بشرطين:
أولا الضرورة الطبية القهرية: كأن يمرض الوالد بمرض يتطلب أجهزة ومراقبة طبية
معقدة ومستمرة لا يمكن توفيرها في المنزل، ويشكل بقاؤه بلا رعاية متخصصة خطرًا على
حياته.
ثانيا العجز التام للأبناء: أن يعجز الأبناء تمامًا عن تقديم الرعاية الأساسية كأن يكون الابن
وحيدًا ومريضًا أو عاجزًا ماديًّا وجسديًّا عن كفايته، بشرط أن يتم اختيار دار
تحفظ كرامته، وأن يستمر الأبناء في زيارته برًّا وصلةً دون انقطاع.
وحبذا لو كانت هناك دور مخصصة حكومية أو أهلية لاستضافة
تاج رؤوسنا من الآباء والأمهات الكبار، خاصة أن كثيرًا من الأسر الآن يعمل فيها
العائل وزوجته أو زوجها، وفي ساعات الصباح لا يوجد من يرعاهما، فإن كانا مكتفيين
بنفسهما، أو هناك من العاملات أو العاملين أو الأبناء من يرعاهما، فبها ونعمت،
وإلا فيوضعون في دور الاستضافة ساعات الصباح، فيكون معهما من يتابع أدويتهما،
ونظافتهما، وإذا جاء المساء عادوا مع الجميع إلى دفء الأسرة، فيكون البر بهما أوقع
وأنفع، ومدار الأمر كله ما يرضي الوالدين وينفعهما، ومن صدقت نيته هداه الله
الحيل.
وللتفصيل:
أولاً: التأصيل الفقهي القديم لـ "وجوب الخدمة
والنفقة"
لم تكن "دور المسنين" بمعناها المعاصر موجودة
في الزمن السابق، ولكن الفقهاء أسسوا المسألة بناءً على أحكام "وجوب نفقة
الآباء وخدمتهم" عند العجز والكبر.
مذهب مالك والشافعي وأحمد: على أن نفقة الوالدين العاجزين واجبة على الأولاد الموسرين الأغنياء
تشمل السكن، والطعام، والكسوة، والخدمة إن كانا بحاجة لخدمة.
جاء في "المغني" لابن قدامة المقدسي: "ويجبر
الرجل على نفقة والديه، وأولاده، ذكوراً وإناثاً، إذا كانوا فقراء، وكان له ما
ينفق عليهم... ولأن استحقاق الوالدين للنفقة لعجزهما عن الكسب، فاستويا في
ذلك".
ودلالة النص توضح أن "التخلي" عن الإنفاق
والرعاية المباشرة مع القدرة يُعد تضييعًا للواجب؛ قال الإمام القرطبي في تفسيره:
"من البر بهما خدمتهما عند كبرهما، وسد حاجتهما بالحنو واللطف، لا بضجر
وتبرم".
ثانيًا: فتاوى الهيئات والعلماء المعاصرين
التفت العلماء المعاصرون إلى طبيعة المصحات ودور الرعاية
وفصلوا فيها بين دافع "العقوق" ودافع "المصلحة الطبية":
فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية:
سُئلت اللجنة عن حكم وضع الوالد العاجز في دور الرعاية،
فأجابت الفتوى رقم 21544:
"الأصل أن يقوم الأولاد برعاية والديهم بأنفسهم في
بيوتهم، وهذا هو مقتضى البر والإحسان... أما إدخالهم دور الرعاية لغير ضرورة ملجئة،
كالتخلص من عنائهم، فهو من العقوق القطعي. أما إن كانت هناك ضرورة طبية عجز
الأولاد عن توفيرها في المنزل، وكان الإيداع لمصلحة الوالد العلاجية مع استمرار
بره وزيارته، فلا حرج في ذلك شرعًا".
دار الإفتاء المصرية: جاء في فتاواها الرسمية المنشورة "إن وضع الوالدين في دور
المسنين ليس عقوقًا في ذاته إذا كان بدافع توفير رعاية طبية ونفسية يعجز الأبناء
عن تقديمها في بيوتهم بسبب طبيعة مرض الوالد، شريطة ألّا ينقطع صلة الأبناء بهم،
بل يتناوبون على زيارتهم وإشعارهم بالدفء الأسري، فإن كان الإيداع بنية التخلي
والقطيعة فهو من الكبائر".
القواعد الفقهية الحاكمة
تتحكم في هذه النازلة عدة قواعد فقهية توازن بين المقاصد
والوسائل:
قاعدة: المشقة تجلب التيسير:
إذا وصلت رعاية الوالد المريض كحالات الهذيان أو
العدوانية المرضية الناتجة عن تلف الخلايا العصبية إلى حدّ يعجز عنه الأبناء جسديًّا
ونفسيًّا، وتتضرر معه مصالح الأسرة الضرورية، جاز شرعًا الاستعانة بالدور المتخصصة
تيسيرًا ودفعًا للمشقة غير المعتادة.
قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات، والضرورة تُقدّر
بقدرها:
الأصل حظر إخراج الوالد من بيته وبيئته الأسرية، لكن
"الضرورة العلاجية" تبيح إيداعه المصحة الطبية، على أن يقتصر ذلك على
فترة الحاجة الطبية وبأعلى مستويات الكرامة الممكنة، دون أن يتبع ذلك قطيعة.
قاعدة: الوسائل لها أحكام المقاصد:
إذا كان مَقصد الابن من وضع والده في الدار هو
"توفير رعاية أفضل وعلاج أدق" يحميه من تدهور صحته، تصبح الوسيلة مشروعة
ومأجورة. أما إذا كان المقصد "التخلص من الإزعاج والهروب من النفقة"،
فإن الوسيلة تصبح عقوقًا ومحرمة. والله تعالى أعلى
وأعلم.
روابط
ذات صلة:
الإحساس بالضيق من رعاية الأم المسنة.. هل يُعدُّ عقوقًا؟
7 أمور عليك القيام بها لدعم المسنين
الإنفاق على الوالدين.. حق شرعي