الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : فتاوى أخرى
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
883 - رقم الاستشارة : 3824
14/01/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته في زمن كثرت فيه الكتب والمواقع التي تتحدث عن الرموز والقوى الخفية لتحقيق المال أو النجاح، صادفت كتابًا يُسمى "الرموز البنفسجية" لماركس روتشيلد. ومن تجربة شخصية، جربت أحد هذه الرموز وفوجئت بحدوث أمور مالية بطريقة غريبة وغير متوقعة، ما أثار الفضول والدهشة لدي. ولكن بعد التدبر، تبين لي أن محتوى الكتاب يحمل أفكارًا غامضة وقد تتعارض مع عقيدتنا الإسلامية، ويشبه ما يُروَّج له عن الماسونية والشرك بالله عز وجل.
سؤالي ما حكم التعامل مع كتب الرموز والقوى الخفية التي يُزعم أنها تحقق أغراضًا دنيوية؟ هل استخدام الرموز أو الاعتقاد في قواها يُعد من الشرك أو المحاذير الشرعية؟ كيف يمكن للمسلم التمييز بين الفضول الطبيعي للمعرفة وبين الانخداع بما قد يضر بالإيمان؟ أرجو الإفادة بأسلوب فقهي وديني واضح، مع توجيهات تحمي النفس والعقيدة من الانحرافات المحتملة.
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فعقيدة المسلم الحق أن الأرزاق والآجال بيد الله تعالى، يقول الله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: 22]، ويقول النبي ﷺ: "أيها الناس اتقوا الله وأجملوا في الطلب فإن نفسًا لن تموت حتى تستوفي رزقها وإن أبطأ عنها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب خذوا ما حل ودعوا ما حرم".
وفي واقعة السؤال؛ لا يجوز للمسلم أن يقرأ أو يعتقد في هذه الرموز الغامضة إلا إذا كان قادرًا على تفنيدها وتحذير الناس، حتى لو صحت في بعض الأوقات أو الحالات فمن الإيمان بالله تعالى أن الرزق والأجل مكتوبان قبل أن يولد الإنسان.
خطورة التعامل مع هذه الرموز
إن التعامل مع كتب الرموز والطلاسم والقوى الخفية التي يُزعم أنها تحقق أهدافًا دنيوية هو من الأمور الخطيرة جدًّا في ديننا، وحكمها يتأرجح بين الكراهة الشديدة والتحريم القاطع، وقد يصل إلى الكفر بالله والعياذ بالله، وذلك بحسب طبيعة الكتاب ومحتواه وطريقة التعامل معه.
أولاً: تكمن خطورة هذه الكتب في أنها غالبًا ما ترتكز على أحد أمرين أو كليهما، الشعوذة والسحر، فكثير من هذه الرموز والطلاسم هي في حقيقتها استعانة بالجن والشياطين أو عبادة للكواكب والنجوم من دون الله. وهذا هو السحر بعينه، وهو من أكبر الكبائر والموبقات السبع التي حذر منها النبي ﷺ، بل هو كفر صريح يخرج من الملة. قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ (البقرة: 102).
ثانيًا: الدجل والكذب: في أحيان أخرى، تكون هذه الكتب مجرد دجل وخرافات لا أصل لها، تهدف إلى خداع الناس وسلب أموالهم، وتوهمهم بوجود طرق مختصرة لتحقيق الثراء أو السعادة، وهذا يدخل في باب أكل أموال الناس بالباطل والكهانة والعرافة، وهي أيضًا من كبائر الذنوب. قال النبي ﷺ: "من أتى عرَّافًا فسأله عن شيءٍ، لم تُقبلْ له صلاةٌ أربعين ليلةً" (رواه مسلم). هذا في مجرد السؤال، فكيف بمن يقرأ ويتعمق ويصدّق ويعمل بهذه الكتب؟
ثالثًا: الحكم الشرعي للتعامل مع هذه الكتب بناءً على ما سبق، يمكن التفصيل بين عدة مستويات:
1- القراءة والاطلاع :فمجرد قراءة هذه الكتب على سبيل الفضول أو التسلية محرمة، وهي باب شر عظيم وذريعة للوقوع في الشرك. إنها تُمرض القلب، وتُدخل الشكوك، وتُضعف التوكل على الله وحده، وتفتح على الإنسان بابًا للوساوس والتعلق بغير الله.
2- التصديق والاعتقاد: من قرأها وصدّق بما فيها من قدرة الرموز أو الطلاسم على النفع والضر من دون الله، فقد وقع في الشرك الأصغر أو الأكبر بحسب درجة اعتقاده. فإن اعتقد أنها أسباب مستقلة تؤثر بذاتها، فهذا شرك أكبر. وإن اعتقد أنها مجرد أسباب والله هو الخالق، فهو شرك أصغر لأنه جعل ما ليس سببًا سببًا.
3- العمل بما فيها: من عمل بما في هذه الكتب من طلاسم أو استغاثات أو رموز، بقصد تحقيق مصلحة أو دفع ضر، فقد وقع في السحر والكفر الصريح والعياذ بالله، وهذا من أخطر ما يمكن أن يفعله المسلم.
4- اقتناؤها وحيازتها: لا يجوز للمسلم الاحتفاظ بهذه الكتب في بيته، بل يجب عليه إتلافها فورًا بالحرق أو التمزيق؛ لأن وجودها في البيت هو وجود لمصدر شر وفتنة، وقد يستعملها أحد أفراد الأسرة جهلاً بخطورتها.
البديل الإسلامي الصحيح لهذه الرموز
ويمكننا أن نستبدل ونستغني عن هذه الرموز المحرمة بعدة أشياء من أهمها:
1- التوكل الصادق على الله: القوة الحقيقية تكمن في الاعتماد الكامل على الله. قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق: 3). هو كافيك وناصرك ورازقك، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع كلمات ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح". وفي رواية مسلم: "يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين، أو خمسة وأربعين ليلة. فيقول: يا رب! أشقي أو سعيد؟ فيكتبان. فيقول: أي رب! أذكر أو أنثى؟ فيكتبان. ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه. ثم تطوى الصحف. فلا يزاد فيها ولا ينقص".
2- الدعاء: لديك أقوى سلاح، وهو الدعاء. ارفع يديك إلى من بيده ملكوت كل شيء، واطلب منه ما تشاء من خيري الدنيا والآخرة وخزائن الله لن تنفد.
3- الأخذ بالأسباب المشروعة: الإسلام دين عمل. اسعَ في طلب الرزق، وتعلم، واجتهد، وكن أمينًا في عملك. هذه هي الأسباب التي أحلّها الله.
4- الرقية الشرعية: إذا كنت تخشى من عين أو سحر، فالبديل هو الرقية الشرعية بالقرآن الكريم والأدعية النبوية الصحيحة، لا بالطلاسم والتمائم الشركية.
5- الأذكار اليومية: حصّن نفسك بأذكار الصباح والمساء، فهي درع المسلم وحصنه الحصين بإذن الله.
والله تعالى أعلى وأعلم
روابط ذات صلة:
الرموز البنفسجية.. لماذا يبحث العقل عن الغموض؟
حقيقة التوكل.. كيف تجمع بين السعي والأخذ بالأسباب؟