حكم افتخار المصري بالحضارة الفرعونية

Consultation Image

الإستشارة 03/11/2025

قرأت حديثا للرسول عليه الصلاة و السلام يقول فيه: ( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَل قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالآْبَاءِ ، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ ، أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ ، لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ ، إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجِعْلاَنِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتِنَ ) فما حكم الفخر بالانتساب إلى حضارة المصريين القدماء مثلا؟ وهل يكون من المحرم على الإنسان المصرى على سبيل المثال أن يفخر بكونه سليل الحضارة المصرية القديمة والحضارة العربية و الإسلامية؟ وإذا كانت الإجابة بلا فهل يكون هناك على إثم إذا أعتززت بما حققه المصريون القدماء فى مجالات مثل الفلك والطب والهندسة غير مجال بناء التماثيل والمعابد، هل الاعتزاز بهذا الانتماء مخالف للدين؟

الإجابة 03/11/2025

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:

 

فالحضارة الفرعونية كغيرها من الحضارات فيها جوانب إيجابية وجوانب سلبية، ولا حرج ولا إثم على المسلم أن يفخر بالجوانب الإيجابية في قوميته، شريطة ألا تتعارض هذه الجوانب مع الإسلام.

 

لا مانع ولا تعارض

 

ولا مانع ولا تعارض بين أن يعتز الإنسان بكونه مسلمًا عربيًّا، ثم يكون بعد ذلك فرعونيًّا أو فينيقيًّا أو فارسيًّا... شريطة ألا يؤدي هذا إلى الاستعلاء على القوميات الأخرى، فكلنا ننتمي لآدام وآدم من تراب.

 

وفي واقعة السؤال لا مانع من أن نحتفي بالأشياء الإيجابية عند الفراعنة، ونتبرأ من سلبياتهم، ولا نتخلى عن عروبتنا ولا إسلامنا بسبب الافتخار بالفراعنة، ولعل هذا ما يقصده النبي بعُبّيّة الجاهلية، أي كبرها الذي يجعل الإنسان يتطاول على خلق الله أو يظلمهم.

 

المعاني الإيجابية والسلبية للوطنية

 

يقول الشيخ حسن البنا – رحمه الله- في حديثه عن الوطنية مفرقًا بين المعاني الإيجابية والسلبية:

 

* وطنية الحنين

 

إن كان دعاة الوطنية يريدون بها حب هذه الأرض وألفتها والحنين إليها، والانعطاف نحوها، فذلك أمر مركوز في فطر النفوس من جهة، مأمور به في الإسلام من جهة أخري، وإن بلالاً الذي ضحّى بكل شيء في سبيل عقيدته ودينه هو بلال الذي كان يهتف في دار الهجرة بالحنين إلى مكة في أبيات تسيل رقة، وتقطر حلاوة:

 

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة  ** بواد وحولي إذخر وجليل

 

وهل أردن يوما مياه مجنة  ** وهل يبدون لي شامة وطفيل

 

ولقد سمع رسول الله ﷺ وصف مكة من "أصيل" فجرى دمعه حنينًا إليها، وقال: يا أصيل دع القلوب تقر.

 

* وطنية الحرية والعزة

 

وإن كانوا يريدون أن من الواجب العمل بكل جهد في تحرير البلد من الغاصبين وتوفير استقلاله، وغرس مبادئ العزة والحرية في نفوس أبنائه، فنحن معهم في ذلك أيضًا، وقد شدد الإسلام في ذلك أبلغ التشديد، فقال تبارك وتعالى: ﴿وَللهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: 8]، ويقول: ﴿...وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141].

 

* وطنية المجتمع

 

وإن كانوا يريدون بالوطنية تقوية الرابطة بين أفراد القطر الواحد وإرشادهم إلى طريق استخدام هذه التقوية في مصالحهم فذلك نوافقهم فيه أيضًا، ويراه الإسلام فريضة لازمة فيقول نبيه ﷺ: "وكونوا عباد الله إخوانا"، ويقول القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: 118].

 

* وطنية الفتح

 

وإن كانوا يريدون بالوطنية فتح البلاد وسيادة الأرض، فقد فرض ذلك الإسلام ووجّه الفاتحين إلى أفضل استعمار، وأبرك فتح، فذلك قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوَهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: 39].

 

* وطنية الحزبية

 

وإن كانوا يريدون بالوطنية تقسيم الأمة إلى طوائف تتناحر وتتضاغن وتتراشق بالسباب وتترامى بالتهم ويكيد بعضها لبعض، وتتشيع لمناهج وضعية أملتها الأهواء وشكلتها الغايات والأغراض، وفسرتها الأفهام وفق المصالح الشخصية، والعدو يستغل كل ذلك لمصلحته ويزيد وقود هذه النار اشتعالا يفرقهم في الحق ويجمعهم على الباطل، ويحرم عليهم اتصال بعضهم ببعض، وتعاون بعضهم مع بعض، ويحل لهم هذه الصلة به، والالتفاف حوله فلا يقصدون إلا داره، ولا يجتمعون إلا زواره، فتلك وطنية زائفة لا خير فيها لدعاتها ولا للناس.

 

فها أنت ذا قد رأيت أننا مع دعاة الوطنية، بل مع غلاتهم في كل معانيها الصالحة التي تعود بالخير على البلاد والعباد، وقد رأيت مع هذا أن تلك الدعوى الوطنية الطويلة العريضة لم تخرج عن أنها جزء من تعاليم الإسلام. أ. هـ.

 

النهي عن التفاخر والكبر

 

وقد جاء في شرح الدرر السنية في شرح الحديث الذي ورد في السؤال:

 

كان في بعض الصحابة رضي الله عنهم في أول الإسلام بعض موروثات الجاهلية، والتي جاء الإسلام لمنعها وتحريمها ونزعها من النفوس، ومن تلك الموروثات الافتخار بالآباء.

 

وفي هذا الحديث يقول النبي ﷺ: "لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا"، أي: إن النبي ﷺ يأمرهم أن يمتنعوا عن الافتخار بالآباء وما لهم من نسب، وذلك لمن مات على الكفر منهم، "إنما هم"، أي: هؤلاء الآباء الذين يفتخرون بهم، "فحم جهنم"، أي: وقودها، "أو ليكونن"، أي: الذين يفتخرون بنسبهم إلى أهل الكفر، "أهون"، أي: أذل، "على الله من الجعل"، والجعل: دويبة سوداء، وهي ما تعرف اليوم بالخنفساء، "الذي يدهده"، أي: يدحرج، "الخراء بأنفه"، أي: بواسطة أنفه، والخراء: اسم لهيئة ما يخرجه الإنسان من فضلات، والمراد: إظهار ما يكون لهؤلاء المفتخرين من الذل والهوان عند الله بأقل من هذه الخنفساء.

 

ثم قال النبي ﷺ: "إن الله قد أذهب عنكم"، أي: أزال ورفع، "عبية الجاهلية"، أي: ما كان منها من كبر، "وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي، أو فاجر شقي"، أي: إن المفاضلة بين العباد عند الله عز وجل تكون على ما عند الإنسان من تقوى وإيمان بالله تعالى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13].

 

"الناس كلهم بنو آدم"، أي: سواء، "وآدم خلق من تراب"، أي: بيان لقدر المادة التي خلق منها الإنسان والتي لا تؤسس للفخر والكبر، بل للتواضع، وفي الحديث: النهي عن التفاخر والكبر، وفيه: الحث على التقوى والتقرب بها إلى الله تعالى، وفيه: التحذير من الفجور وكل ما يؤدي إليه. أ. هـ.

 

والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

كيف تعامل المسلمون مع تراث الحضارات الأخرى؟

الرابط المختصر :