الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : الدعوة في المهجر
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
296 - رقم الاستشارة : 3263
11/11/2025
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا مستشار شرعي في مؤسسة دعوية كبيرة ولها فروع متعددة وتضم عدداً كبيراً من الدعاة الكبار والشباب، وكلهم مخلصون ومجتهدون. التحدي الذي نواجهه اليوم هو أننا تحت "المجهر" الإعلامي، وأي تباين في الخطاب بين دعاتنا يتم تضخيمه وتحويله إلى "خلاف منهجي" أو "صراع تيارات" داخل المؤسسة.
كيف يمكن للمؤسسة أن تحقق "توحيدًا" في خطابها العام حول القضايا الرئيسية (كقضايا الأمة الكبرى، أو التعامل مع المستجدات الفكرية والاجتماعية) دون أن تُصادر على حرية الداعية في الاجتهاد في الفروع الفقهية أو الأسلوب الدعوي؟
وما هي الآليات الفعالة التي تضمن أن يكون الخطاب العام للمؤسسة منضبطاً وواحداً، ليقدم صورة إيجابية ومحكمة عن الدعوة؟ جزاكم الله خيراً.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً بك أيها المستشار الفاضل، وشكر الله لكم حملكم لهذه المسؤولية الكبرى في توجيه دفة الخطاب الدعوي لمؤسسة بهذه الأهمية. إن توحيد الخطاب في زمن التشرذم الإعلامي هو مفتاح القوة والتأثير، وأسأل الله أن يرزقكم السداد والحكمة، وحتى نوضح مضمون استشارتك:
فإن استشارتكم تدور حول "فقه انضباط الخطاب المؤسسي الدعوي"، وهو يتطلب موازنة بين مرونة الاجتهاد الفردي وضرورة الانضباط المنهجي الجماعي، واستعمال منهجية توحيد الخطاب الدعوي المؤسسي؛ فإن توحيد الخطاب لا يعني صبغه في قالب واحد جامد، بل يعني الاتفاق على الأصول والمنهج العام، ثم السماح بالمرونة في التفاصيل، وإلى بعض التفاصيل المعينة:
تحديد الأصول المتفق عليها والحدود المسموح بها
يجب البدء بتحديد ما يجب أن يكون موحدًا، وما يجوز فيه الاختلاف.
1) توحيد الأصول العقدية والمنهجية: يجب أن يكون هناك ميثاق دعوي أو لائحة منهجية واضحة ومكتوبة، يلتزم بها جميع الدعاة. ويجب أن تتضمن القواعد العقدية: من الالتزام بعقيدة أهل السنة والجماعة في الأصول، وبيان وتوضيح قضايا الأمة الكبرى: بالاتفاق على موقف موحد من القضايا الوطنية أو العالمية ذات الأثر العام (كموقف المؤسسة من الإساءة للثوابت أو قضايا الفتنة الطائفية)، والوحدة -كما تعلّمنا في الأزهر الشريف- تبدأ بوحدة المنهج والرؤية.
2) المرونة في الفروع والأداء: يُسمح للدعاة بالاختلاف في:
* الفروع الفقهية: في مسائل الخلاف المعتبرة، يُعلِّم الداعية ما يراه راجحًا، لكن دون إلزام الجمهور به، ودون التهجم على الرأي الآخر. ويُفضل التوجيه بتقديم "الأيسر" للعامة تيسيرًا عليهم.
* الأسلوب الدعوي: يُسمح بتنوع الأساليب (وعظي، فكري، تربوي) حسب شخصية الداعية وفئته المستهدفة، ما دام ملتزمًا بالضوابط الأخلاقية والشرعية.
الآليات الإدارية لضبط الخطاب
لتحويل هذا الميثاق إلى واقع عملي يراه الجمهور موحدًا، يجب تفعيل آليات إدارية رقابية وتوجيهية:
1) المجلس العلمي أو الإفتائي: تشكيل مجلس يضم كبار الدعاة وعلماء المؤسسة، تكون وظيفته إصدار "البيان الموحد" حول القضايا المستجدة أو الحساسة. وهذا البيان هو المرجع الرسمي لجميع الدعاة.
2) دورات تدريبية مستمرة (لغة الخطاب): إقامة دورات تدريبية دورية للدعاة، لتدريبهم على لغة الخطاب الموحدة، ويمكنكم الاستعانة بالأكاديميات العلمية التدريبية الرسمية الرائدة في مثل هذا المجال، كأكاديمية الأزهر العالمية لتدريب الأئمة والوعاظ وباحثي الفتوى، والاشتراك من أي مكان يكون عن طريق السفارة المصرية في الدولة التي أنتم فيها، ويتم مخاطبة الخارجية، ومن ثم يكون الاشتراك في الدورات المتخصصة للتدريب على كيفية صياغة الآراء الفقهية أو المنهجية بحيث لا تبدو متناقضة مع زملائهم. (مثال: استخدام عبارات مثل: "رأي المؤسسة يميل إلى كذا"، أو "في هذا المسألة اختلاف بين أهل العلم").
3) مراجعة المحتوى الدعوي الحساس: تطبيق نظام "الرقابة القبلية" على المحتوى المكتوب والخطب الرئيسية (كخطبة الجمعة أو المحاضرات العامة الكبرى) قبل نشرها، وخاصة للمتحدثين الجدد أو الشباب. الهدف ليس مصادرة الفكر، بل التأكد من التزامهم بالحدود المنهجية المتفق عليها.
4) سرعة احتواء التباين والفوارق: فعند ظهور أي تباين في الخطاب على وسائل الإعلام، يجب على قيادة المؤسسة التدخل السريع والسري لتوضيح الموقف للداعية، وتصحيح الفهم العام (عبر بيان رسمي مقتضب إن لزم الأمر) قبل أن يتضخم الأمر.
تعزيز ثقافة "الأخوة والاحتواء"
إن توحيد الخطاب يعتمد في جوهره على قوة العلاقة بين الدعاة.
1) التعامل مع الداعية المخالف: إذا صدر خطأ منهجي من أحد الدعاة، يجب التعامل معه على انفراد بـ "الرفق والسرية" لا "العلنية والتوبيخ: حفظ كرامة الداعية المخطئ يشجعه على الرجوع والصواب. قال رسول الله ﷺ: "مَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى سُلْطَانٍ فَلَا يُبْدِهَا لَهُ عَلَانِيَةً، وَلَكِنْ لِيُدْنِهِ ثُمَّ يَنْصَحَهُ سِرًّا". والداعية هنا هو المسؤول عن المؤسسة.
2) التأكيد على القواسم المشتركة: يجب أن تذكر المؤسسة دائمًا في إعلامها الخارجي أن التنوع في أساليب دعاتها هو "إثراء وقوة" وليس "تفرقًا وضعفًا".
وأخيرًا: أيها المستشار الحصيف، إن عملكم في توحيد الكلمة هو من أعظم الأعمال في هذا الوقت. تذكر أن "التوحيد في الرؤية" يسبق "التوحيد في الخطاب"، اجعلوا الهدف الأسمى هو نصرة الدين وخدمة الأمة، وحين تتجرد النيات لذلك، سيذوب الخلاف في الفروع أمام وحدة الأصل، وأسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجمع كلمتكم على الحق، وأن يرزقكم البصيرة والعدل في إدارة شؤون مؤسستكم، وأن يجعل دعاتكم دعاة توفيق وهدى، وأن يحفظكم من شرور الفتن والفرقة.
روابط ذات صلة:
مقومات الخطاب الدعوي في البلاد الغربية
خطاب دعوي مستنير في ظل واقع متغيّر