الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : فقهية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
5 - رقم الاستشارة : 4926
29/05/2026
لو نويت الحج (إفراداً) ثم في مكة أردت تحويل النية إلى (تمتع) لسهولة المناسك، هل هذا التغيير في النية (فسخ الحج) جائز شرعاً؟"
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا
نبي بعده، وبعد
فأهلا وسهلا ومرحبا بكم أخي العزيز، فإن من محاسن الشريعة الإسلامية التيسير على العباد ورفع الحرج عنهم، خاصة في مناسك الحج التي تشهد مشقات بدنية وتزاحماً كبيراً. ومسألة الانتقال من نية "الإفراد" وهو إفراد الحج وحده إلى نية "التمتع" وهو أداء العمرة أولاً ثم التحلل منها ثم الإحرام بالحج تُعرف في الفقه بمسألة "فسخ الحج إلى العمرة"، وهي من المسائل التي استند فيها الفقهاء إلى نصوص نبوية صريحة تدعم التيسير على الحاج وسهولة المناسك.
اختصارا: يجوز شرعاً للحاج الذي أحرم بالإفراد
أو القِران ولم يسق الهدي معه، أن يغير نيته ويفسخ حجه إلى عمرة ليصير متمتعاً.
فيطوف ويسعى ويقصر ويتحلل تحللاً كاملاً، ثم يحرم بالحج في يوم التروية الثامن من
ذي الحجة. وهذا الفسخ مستحب ومشروع عند جمهور العلماء المعاصرين، وهو مذهب
الحنابلة وظاهر السنة النبوية، ومجزئ عند الجميع. ويترتب على هذا التحول وجوب ذبح
"هدي التمتع" شاة تذبح في الحرم شأنه شأن أي متمتع، فإن لم يجد فصيام
ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.
القواعد الفقهية الحاكمة:
- قاعدة المشقة
تجلب التيسير: حيث إن
بقاء الحاج محرماً بالإفراد لفترة طويلة قد يوقعه في الحرج والمشقة، فشرع
الفسخ للتيسير بالتحلل.
- قاعدة الأمر
يفيد المشروعية: استناداً
لأمر النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالفسخ، والأصل في الأمر الشرعي
الجواز والاستحباب على الأقل ما لم يصرفه صارف.
أراء العلماء القدامى
- المذهب
الحنبلي القول بالجواز والاستحباب: يرى
الحنابلة، وهو قول جماعة من الصحابة كابن عباس، أن فسخ الحج إلى العمرة لمن
لم يسق الهدي ليس جائزاً فحسب، بل هو مستحب ومندوب، لأن النبي صلى الله عليه
وسلم تأسف في آخر حجه أنه لم يفعل ذلك، وأمر أصحابه به أمراً جازماً.
"وجملة
ذلك أن من أحرم بالحج مفرداً أو قارناً، ولم يكن قد ساق الهدي، استحب له أن يفسخ
إحرامه بالحج ويجعله عمرة، فيطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ويقصر ويحل...
وهذا قول ابن عباس، وابن عمر، وجابر... وهو مذهب أحمد" المغني،
ج 3، ص 242.
- مذهب
الجمهور الحنفية والمالكية والشافعية: ذهب
جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية إلى أن الفسخ كان رخصة خاصة
بالصحابة في حجة الوداع لإبطال معتقد الجاهلية بأن العمرة في أشهر الحج من
أفجر الفجور، ويرون أن من أحرم بالحج لزمه إتمامه. ومع ذلك، يرون أنه لو قلب
نيته إلى عمرة وعمل عملها، صح تحوله وصار متمتعاً ووجب عليه الهدي لتركه أفضل
النسكين عندهم وهو الإفراد أو القران.
"مذهبنا
ومذهب مالك وأبو حنيفة وجماهير العلماء من السلف والخلف: أن فسخ الحج إلى العمرة
ليس بجائز اليوم، وإنما كان رخصة خاصة بالصحابة في حجة الوداع... لكن لو نوى الفسخ
وطاف وسعى وقصر لزمه دم التمتع" المجموع، ج 7، ص 164.
أراء
العلماء المعاصرين
- الشيخ عبد
العزيز بن باز رحمه الله: كان الشيخ
ابن باز يفتي بقوة بمشروعية الفسخ واستحبابه تيسيراً على الناس، عملاً بالسنة
الصحيحة الثابتة.
"من
أحرم بالحج مفرداً أو قارناً ولم يسق الهدي، فالأفضل له والمشروع في حقه أن يفسخ
حجه إلى عمرة، فيطوف ويسعى ويقصر ويحل، ليكون متمتعاً، لأن النبي صلى الله عليه
وسلم أمر أصحابه بذلك في حجة الوداع وغضب على من تعوق، وقال: لو استقبلت من أمري
ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة، وهذا عام لجميع الأمة إلى يوم القيامة" مجموع
فتاوى ومقالات متنوعة، المجلد 17، ص 92.
- الشيخ
محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: أكد
الشيخ العثيمين على أن هذا التحول جائز ومستحب، ونفى أن يكون خاصاً بالصحابة،
واعتبره من أعظم أبواب التيسير لنيل راحة التحلل قبل مشاعر الحج.
"إذا
قدم الإنسان مكة مفرداً أو قارناً ولم يكن معه هدي، فإن السنة في حقه أن يقلب هذا
الإحرام إلى عمرة، فيطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ويقصر ويحل تحللاً
كاملاً، ويلبس ثيابه ويأتي أهله، فإذا كان يوم التروية أحرم بالحج، وهذا هو
التمتع... ولا حرج عليه في ذلك بل هو الأفضل" الشرح
الممتع على زاد المستقنع، ج 7، ص 73.
والله تعالى أعلى وأعلم