الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
564 - رقم الاستشارة : 3876
20/01/2026
لماذا تدرج الله في تشريع الصيام ففرض على التخيير أولا ثم على الوجوب ثانيا وما الحكمة من وراء ذلك؟
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فالتدرج في تشريع الأحكام سنة متبعة لم تحدث في الصيام فقط بل حدثت في كافة التشريعات مثل الصلاة أيضًا، وكذلك التدرج في التحريم فحُرمت الخمر على مراحل، والربا على مراحل، وكانت العقوبة في الزنا على مراحل.
والحكمة من ذلك التيسير وعدم حمل الناس على الشيء جملة واحدة فيتركوا الأوامر وتصعب عليهم النواهي كما صرّحت بذلك أم المؤمنين عائشة –رضي الله عنها– ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا.
إن تدرج الله سبحانه وتعالى في تشريع الصيام لهو مظهر من مظاهر رحمته وحكمته البالغة، وهو منهج إلهي أصيل في تربية الأمة وتأهيلها لقبول التكاليف.
التدرج في تشريع الصيام من التخيير إلى الإلزام
مر تشريع الصيام بمرحلتين أساسيتين، كما فهم أهل العلم من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ:
الأولى: مرحلة التخيير: في بداية الأمر، عندما فُرض الصيام، كان المسلم مُخيّرًا بين أن يصوم، وهو الأفضل، أو أن يُفطر ويُطعم عن كل يوم مسكينًا. والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 184).
قال المفسرون، ومنهم ابن عباس وسلمة بن الأكوع رضي الله عنهما، أن هذه الآية كانت في بداية فرض الصيام، حيث كان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينًا، وكان ذلك يجزئه.
الثانية: مرحلة الحتم والإلزام: بعد ذلك، أنزل الله تعالى الآية التي تليها لتنسخ هذا التخيير وتجعل الصيام واجبًا حتميًّا على كل قادر مقيم، حيث قال سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ...﴾ (البقرة: 185).
فأصبح الصوم عزيمة واجبة، ولم يبقَ خيار الفدية إلا للكبير العاجز والمريض الذي لا يُرجى برؤه.
وسبق هذا صوم يوم عاشوراء الذي صامه النبي ﷺ في مكة على سبيل الفرض لأن قريشًا كانت تصومه، وصامه في المدينة لأن اليهود كانت تصومه، ثم لما فُرض صيام شهر رمضان أصبح الأمر على التخيير.
الحكمة من هذا التدرج الرباني في التشريع
إن هذا التدرج لم يكن عبثًا، بل كان لحكم عظيمة، نذكر منها:
1- الرحمة والرأفة بالعباد: كانت العرب في الجاهلية لم تعتد على الصيام كعبادة منتظمة، وكان فيه مشقة عليهم في بداية الأمر. فمن رحمة الله أنه لم يفاجئهم بالتكليف الشاق دفعة واحدة، بل مهّد لهم الطريق ودرّجهم عليه، تمامًا كما تدرّج في تحريم الخمر والربا. وهذا يُظهر لنا أن ديننا دين يسر لا عسر.
2- التربية الإيمانية للنفس: بدأ الله تعالى معهم بالتخيير ليعوّد نفوسهم على الطاعة ويرغبهم في ثوابها. فكان قوله ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ بمثابة حافز وتشجيع، يجعل النفس تقبل على الصيام طواعية وحبًا لا كرهًا وتثاقلًا. وعندما استقرت حلاوة الطاعة في قلوبهم وألفوا الصيام، جاء الأمر الحاسم ليثبّت هذا الخير في حياتهم.
3- التدرج منهج تشريعي أصيل: هذا الأسلوب هو منهج الله في كثير من التشريعات الكبرى. فالنفوس لا تتغير فجأة، والعادات الراسخة تحتاج إلى وقت لتتبدل. وهذا يعلّمنا كدعاة ومربين أن نأخذ الناس بالرفق والتدرج، وأن نراعي أحوالهم وطاقاتهم في دعوتهم إلى الخير.
4- إظهار كمال الشريعة: هذا التدرج يُظهر كيف أن الشريعة الإسلامية جاءت لتراعي طبيعة النفس البشرية وتتدرج بها نحو الكمال. فهي لا تصطدم مع فطرتها، بل تهذبها وترتقي بها شيئًا فشيئًا حتى تصل بها إلى أعلى المراتب.
والله تعالى أعلى وأعلم
روابط ذات صلة:
شعيرة الصيام.. كيف تؤثر في هوية المجتمع؟