هل ترك الصحابة غسل النبي ﷺ ودفنه وتسارعوا على الحكم؟

Consultation Image

الإستشارة 25/02/2026

تداول بعض الأشخاص ومن بينهم عمرو واكد، الممثل المصري، طرحًا مفاده أن: سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو الذي تولّى غسل النبي ﷺ ودفنه، وأن كبار الصحابة، ومنهم الخلفاء الراشدون، لم يحضروا دفنه لانشغالهم بأمر الخلافة، مما قد يوحي بأنهم تركوا تجهيز النبي ﷺ وذهبوا يتنازعون على الحكم.

نرجو من أهل الاختصاص بيان ما يلي:

ما الروايات الثابتة تاريخيًا حول تغسيل النبي ﷺ ودفنه؟ ومن الذين شاركوا في ذلك على وجه الدقة؟

ما حقيقة ما جرى في سقيفة بني ساعدة؟ وهل كان الاجتماع سابقًا للدفن أم متزامنًا معه؟

هل ثبت أن كبار الصحابة لم يحضروا الدفن مطلقًا، أم أن المسألة أوسع من هذا الطرح المختزل؟

كيف يقرأ المؤرخون المعتبرون هذه الأحداث بعيدًا عن التوظيف السياسي أو الطائفي المعاصر؟

نرجو إجابة علمية موثقة من كتب السيرة المعتمدة، مثل ما ورد في سيرة ابن هشام والبداية والنهاية، لتوضيح السياق التاريخي الكامل والحقائق بعيدًا عن الإثارة أو إسقاطات الواقع المعاصر.

الإجابة 25/02/2026

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:

 

فنشكر لك أخي الكريم غيرتك على تاريخنا الإسلامي وسيرة النبي ﷺ وصحبه الكرام، ودفع الشبهات عنهم، أما ما قاله هذا الممثل وغيره فقد صح فيه قول النبي ﷺ سيأتي على الناس سنوات خداعات؛ يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة. قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة.

 

فمن نكد الدنيا على المسلمين أن يتكلم ممثل في أمر من أمور الدين ويحلل ويرجح ويتهم خير القرون بما هم منه براء.

 

ونحن نأخذ ديننا من مصادرنا المعتمدة، وليس من هؤلاء الناس الذين انقطعت صلاتهم بدينهم وهويتهم، وتجرؤوا على صحابة الرسول ﷺ بهذه الطريقة.

 

وما ذكره هذا الرجل وغيره صحيح لكن يحسب لصحابة النبي ﷺ لا عليهم، فغسل النبي قام به أهل بيته من كبار الصحابة مثل علي والعباس وبعض أولاده وأسامة بن زيد وغيرهم من صحابة الرسول ﷺ، وهو من فروض الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل، وقد تغيب أبو بكر وعمر بسبب ما سمعوه من إخوانهم الأنصار وأنهم تخوفوا أن ينفرد المهاجرون بالأمر دونهم، فذهبوا لحسم الخلاف وطمأنة إخوانهم أن المهاجرين الأمراء والأنصار الوزراء وعللوا ذلك بالطبيعة القبلية لجزيرة العرب وأنها لا يمكن أن تسلم أمرها إلا لقريش، ولم يكن صراعًا على السلطة بل كانت شورى مباركة، والدليل على ذلك لما توفي أبو بكر انتقلت الخلافة لعمر، وهو ليس من أبنائه ولا من قبيلته، ولما توفي عمر انتقلت إلى ستة نفر يختارون واحدًا منهم ثم يعرض على شورى المسلمين بعد ذلك.

 

وما قام به أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح هو من الفروض العينية، بحيث لو لم يقوموا به أثموا، فلو تركوا الأنصار يختارون أميرًا منهم ورفضه المهاجرون لأدى ذلك إلى خلاف وترتب على ذلك من الفتن أكثر مما حدث بعد استشهاد عثمان رضي الله عنه.

 

تغسيل النبي ﷺ

 

اتفق أهل السنة على أن الذي قام بتغسيل النبي ﷺ هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومعه العباس بن عبد المطلب عم النبي ﷺ وابناه الفضل وقُثَم، وأُسامة بن زيد مولى النبي ﷺ، وشُقْران رضي الله عنهم.

 

قال ابن هشام في السيرة النبوية: "وغسَّل رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، والفضل بن عباس، وأُسامة بن زيد، وشُقْران مولى رسول الله ﷺ".

 

وقد ورد في صحيح البخاري أن عليًّا رضي الله عنه قال: "غسلت النبي ﷺ فذهبت أنظر ما يكون من الميت فلم أر شيئًا، وكان أطيب الناس حيًّا وميتًا".

 

قال ابن كثير في البداية والنهاية: "قالوا: وغسَّل النبيَّ ﷺ علي بن أبي طالب والفضل بن العباس، وكان العباس واقفًا يوصيهما".

 

دفن النبي ﷺ: بعد تغسيل النبي ﷺ، كُفِّن في ثلاثة أثواب بيض، ثم وُضع على سريره في بيته.

 

اختلف الصحابة في مكان دفنه، فقال بعضهم في المسجد، وقال آخرون في البقيع، فألهمهم الله أن يدفنوه حيث قبضت روحه؛ لأن الأنبياء يدفنون حيث يموتون.

 

نزل في قبر النبي ﷺ علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب وابناه الفضل وقُثَم، وأوس بن خولي الأنصاري رضي الله عنهم.

 

قال ابن هشام: "ثم أدخلوا رسول الله ﷺ حفرته، فكان الذي نزل في حفرته علي بن أبي طالب، والفضل بن عباس، وقثم بن عباس، وأوس بن خولي".

 

حقيقة ما جرى في سقيفة بني ساعدة

 

سقيفة بني ساعدة: هي مكان اجتمع فيه الأنصار من الأوس والخزرج بعد وفاة النبي ﷺ، لاختيار خليفة منهم.

 

سبب الاجتماع: خشية الأنصار من أن يستأثر المهاجرون بالأمر بعد وفاة النبي ﷺ، ورغبتهم في الحفاظ على مكانتهم في المدينة.

 

وصول الخبر إلى المهاجرين: علم المهاجرون باجتماع الأنصار في السقيفة، فذهب إليهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم.

 

الحوار والنقاش: دار حوار طويل بين المهاجرين والأنصار، وتنازعوا فيمن يكون الخليفة، حتى اتفقوا في النهاية على مبايعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

 

تزامن الاجتماع مع الدفن: اجتماع السقيفة كان متزامنًا مع تجهيز النبي ﷺ ودفنه، ولم يكن سابقًا عليه، ولم يكن اجتماع السقيفة تنازعًا على الحكم بالمعنى السلبي، بل كان اجتهادًا من الصحابة لحماية الأمة وتوحيد كلمتها في ظل الظروف الصعبة التي أعقبت وفاة النبي ﷺ.

 

حضور بعض كبار الصحابة

 

ثبت أن بعض كبار الصحابة حضروا تجهيز النبي ﷺ ودفنه، مثل علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب رضي الله عنهما.

 

انشغال البعض الآخر بأمر الخلافة: انشغل بعض كبار الصحابة الآخرين، مثل أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، بأمر الخلافة في سقيفة بني ساعدة، خشية الفتنة والانقسام بين المسلمين، ولم يترك الصحابة تجهيز النبي ﷺ عمدًا أو استخفافًا، بل كان انشغالهم بأمر الخلافة اجتهادًا منهم لتقديم مصلحة الأمة على كل شيء.

 

قراءة المؤرخين المعتبرين للأحداث

 

يرى المؤرخون الثقات أن الصحابة الكرام اجتهدوا في تلك الظروف الصعبة، وقدموا مصلحة الأمة على مصالحهم الشخصية، ويحذر المؤرخون من تضخيم الخلافات التي وقعت بين الصحابة، أو تحميلها أكثر مما تحتمل؛ لأن ذلك يسيء إلى صورة الصحابة ويشوه تاريخ الإسلام.

 

ويؤكد المؤرخون على ضرورة فهم السياق التاريخي الذي وقعت فيه تلك الأحداث، وعدم إسقاط مفاهيم العصر الحديث عليها؛ لأن ذلك يؤدي إلى فهم خاطئ للأحداث.

 

ويؤكد المؤرخون على التركيز على الإيجابيات التي تحققت في عهد الخلفاء الراشدين، من نشر الإسلام وتوحيد الأمة وتحقيق العدل والمساواة، بدلًا من التركيز على السلبيات أو الخلافات.

 

والله تعالى أعلى وأعلم

دستور السقيفة.. نقطة تحول في دولة المسلمين

الرابط المختصر :