الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
37 - رقم الاستشارة : 5405
26/07/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فضيلة الشيخ، أحسن الله إليكم.
أرغب في الاستفتاء عن مسألة تتعلق بالمسح على الجوارب والأحذية. أحيانًا أخرج من المنزل لمدة تصل إلى عشر ساعات، مما يضطرني إلى تجديد الوضوء أكثر من مرة. وعندما انتقض وضوئي وأريد الوضوء، أخلع الحذاء وأمسح على الجورب، ثم ألبس الحذاء مرة أخرى.
ولأنني قد أنسى أحيانًا فأخلع الحذاء في وقت لاحق، فقد أصبحت - من باب الاحتياط - أمسح بعد ذلك على الحذاء أيضًا في الوضوء نفسه، فأكون قد مسحت على الجورب ثم على الحذاء، حتى إذا خلعت الحذاء لاحقًا بقي مسحي على الجورب، وإن لم أخلعه بقي مسحي على الحذاء.
فهل هذا الفعل صحيح شرعًا؟ وهل يجوز الجمع بين المسح على الجورب ثم على الحذاء في الوضوء الواحد على هذا الوجه، أم يجب الاقتصار على أحدهما فقط؟ وجزاكم الله خيرًا، وبارك في علمكم.
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، واعلم حفظك الله
ورعاك، الشريعة الإسلامية جاءت بالتيسير ورفع الحرج عن المكلفين، ومن صور هذا
التيسير مشروعية المسح على الخفين والجوارب والأحذية، رخصةً من الله تعالى وتخفيفًا
على العباد، لا سيما أرباب الأعذار ومن يقضون أوقاتًا طويلة خارج منازلهم في العمل
أو الدراسة.
وإن حرصك على إسباغ الوضوء والتحوط للطهور أمر محمود تدل
عليه رغبتك في امتثال الشرع، إلا أن "الاحتياط" في العبادات مقيد بحدود
السنة النبوية، حتى لا يخرج العبد من باب اتباع السنة إلى باب التكلف والوسوسة.
اختصارًا: وضوؤك بهذا الصنيع صحيح ومجزئ، ولا إعادة عليك في الصلوات التي صليتها؛ لأن
فرض طهارة القدمين قد تحقق كاملاً بمسحك على الجورب أولاً.
لكن الجمع بين المسح على الجورب ثم المسح على الحذاء في
نفس الوضوء لا داعي له؛ وهو من باب التكلف والزيادة التي لا دليل عليها، والواجب
شرعًا هو الاقتصار على أحدهما فقط.
وتفصيلاً:
قد بحث الفقهاء صور المسح عند تعدد طبقات السواتر على
القدمين كالجورب والحذاء تحت باب "المسح على الخف فوق الخف أو الجورب":
تحقق فرض الطهارة بالمسح الأول
اتفق الفقهاء على أن المكلف إذا كان محدِثًا ثم توضأ
ومسح على الخف الأول، فقد أدى فرض مسح القدمين وسقط عنه الواجب في ذلك الوضوء، جاء
في المغني للإمام ابن قدامة المقدسي الحنبلي كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين:
«وإن لبس خفًّا على خف... فمسح على الأسفل منهما أجزأه؛
لأنه ساتر للقدم يصح المسح عليه مفردًا، فأجزأ المسح عليه كالأعلى».
وإذن فمسحك على الجورب رفع الحدث عن قدميك وأتم وضوءك،
فصار مسحك على الحذاء بعده في نفس اللحظة تكرارًا ومسحًا على عضو طاهر لم يعد
محدِثًا، وتكرار المسح في الوضوء الواحد غير مطلوب.
حكم تكرار المسح والجمع بينهما في وضوء واحد
بيّن العلماء المعاصرون أن جمع المسحين في وضوء واحد من
باب الاحتياط هو احتياط في غير محله ويؤدي إلى الوسوسة،
الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله:
سُئل في مجموع فتاوى ورسائل ابن عثميين جـ 11 / باب
المسح على الخفين عمن يمسح الجورب ثم يمسح الحذاء فوقه في الوضوء نفسه، فأجاب:
«هذا العمل لا يشرع؛ لأن الواجب في مسح الخفين أو الجوربين إنما هو مسح الساتر
المباشر للقدم أو الأعلى منهما مرة واحدة، فإذا مسح الجورب فقد تم وضوؤه وطهرت
رجلاه، ولا معنى لمسح الحذاء بعد ذلك في الوضوء نفسه، والتكلف في مثل هذا خروج عن
السنة ودخول في الوسوسة».
رأي الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله:
أوضح في مجموع فتاوى ابن باز جـ 10 / صـ 101 كيفية
التعامل مع الحذاء والجورب: «إذا كان الإنسان يلبس الجوربين وعليهما النعلان، فهو
بالخيار: إن شاء مسح على النعلين مع الجوربين، وإن شاء خلع النعلين ومسح على
الجوربين. أما إن خلع النعلين ومسح على الجوربين ثم لبس النعلين، فقد تم وضوؤه ولا
يمسح على النعلين في هذا الوضوء مرة أخرى».
ولكي تزول عنك الحيرة والوسوسة، اعلم أن التعامل مع
الحذاء والجورب يكون بإحدى طريقتين صحيحتين:
الطريقة الأولى: أن تتوضأ وتمسح على الحذاء وهو في قدمك دون أن تخلعه. فإن اضطررت
لخلع الحذاء لاحقًا وأنت على طهارتك، فالراجح من أقوال المحققين من أهل العلم كشيخ
الإسلام ابن تيمية وابن حزم والشيخ ابن عثيمين أن خلع الحذاء الممسوح عليه لا ينقض
الوضوء، وتبقى طاهرًا تصلي بجوربك حتى تنتقض طهارتك بنقض طارئ كالبول أو الغائط أو
الريح.
الطريقة الثانية: أن تخلع الحذاء، وتمسح على الجورب فقط، ثم تلبس الحذاء. وفي الوضوء
الذي يليه إن انتقض وضوؤك: إن كان الحذاء لا يزال في قدمك جاز لك المسح على
الحذاء؛ لأنك لبسته على طهارة كاملة، وإن خلعته مسحت على الجورب.
القواعد الفقهية الحاكمة في الجمع
بين المسح على الحذاء والجورب
قاعدة: «اليَقِينُ لا يَزُولُ بِالشَّكِّ»
طهارتك بمسح الجورب أولاً طهارة يقينية صحيحة، والشك في
توقع خلع الحذاء لاحقًا لا يبطل هذا اليقين ولا يسوغ إيجاد مسح ثانٍ.
قاعدة: «المَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ»
رُخص الشريعة كالجمعة والمسح على الخفين بُنيت على
التيسير، والجمع بين مسحين في وضوء واحد فيه مشقة وتكلف ينافي مقصد الرخصة
الشرعية.
قاعدة: «الزِّيَادَةُ فِي المَمْسُوحِ كَالزِّيَادَةِ
فِي المَغْسُولِ»
كما أن زيادة غسل الوجه أو اليدين عن ثلاث مرات مكروهة
وخلاف السنة، فإن تكرار مسح الممسوح أو الجمع بين مسحين لساترين في وضوء واحد هو
زيادة غير مسنونة.
قاعدة: «التَّابِعُ تَابِعٌ»
إذا أخذ الجورب حكم أصل الطهارة بالمسح، صار الحذاء
الملبوس فوقه تابعًا له في حلول الطهارة فيه لأنه لبس على طهارة مسح سابقة، فلا
يحتاج إلى إفراد بمسحٍ جديد في لحظة الوضوء ذاتها. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط ذات صلة:
حكم خلع الجوربين عند كل وضوء احتياطًا للطهارة
أوصاف الجورب الذي يجوز عليه المسح