الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : فقه الأسرة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
800 - رقم الاستشارة : 3660
25/12/2025
هل أباح أبو حنيفة وأصحابه زواج المرأة بغير ولي، وهل هذا الحكم يصلح في وقتنا الحاضر حيث يأخذ الرجل المرأة فيستمتع بها ثم يلقيها بغير حقوق إلى أهلها يتحملوا مشكلاتها؟
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فمعرفة الأحكام الشرعية مجردة دون معرفة الزمان والمكان والأحوال تخرج الأحكام من مقاصدها، وتجعل ضررها أكبر من نفعها، وكذلك أخذ الأحكام دون مراعاة الضوابط والشروط التي وضعها الفقيه لهذا الحكم يخرج الحكم عن مقصده، ويجعله مستغربًا مستهجنًا بين الناس.
الولي شرط واجب لصحة النكاح عند الجمهور
ومسألة الولي شرط واجب لصحة النكاح عند جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة - رضوان الله عليهم جميعًا - ولهم على ذلك أدلة قطعية من وجهة نظرهم، وأجاز أبو حنيفة -رحمه الله- زواج المرأة بغير ولي؛ لأنه لم يصح عنده الحديث أولاً، وبسبب ما رآه في عصره من عضل الولي أي تعنته ورفضه للخطّاب بغير سبب مقنع، أو إجبار الفتاة على الزواج ممن لا تحب ثانيًا.
وأبو حنيفة- رضي الله عنه – عندما أباح للمرأة أن تتزوج بغير إذن وليها أعطى الحق للولي بفسخ هذا العقد إذا تزوجت المرأة بغير كفوء لها، وبالتالي لا يجوز للمرأة أن تخفي عقد النكاح عن الولي خاصة أو المجتمع عامة كما يحدث الآن، فلا بد من أخذ الفتوى أو الحكم بضوابطه وشروطه.
وما نرجه للفتوى – في هذا الزمان – حفاظًا على المرأة من الذئاب الجائعة أن تُطلع الولي على هذه العلاقة من بدايتها، ولا تخالفه إلا إذا كان متعنتًا، ويمكنها إشراك الأعمام والأخوال والأقارب في هذه العلاقة واستشارتهم إذا امتنع الأب بغير مسوغ مقبول شرعًا وعقلاً حتى يكونوا سندًا لها إذا تنكر الزوج، أو أراد أن يلعب بها ويهضم حقوقها.
التراضي في الزواج
يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي – رحمه الله – في فتوى مشابهة:
إن الزواج كما شرعه الإسلام عقد يجب أن يتم بتراضي الأطراف المعينة كلها، لا بد أن ترضى الفتاة، ولا بد أن يرضى وليها، وينبغي أن تستشار أمها، كما وجه إلى ذلك رسول الله ﷺ:
(أ) أمر الإسلام أن يؤخذ رأي الفتاة وألا تجبر على الزواج بمن تكره ولو كانت بكرًا، فالبكر تستأذن وإذنها صمتها وسكوتها، ما دام ذلك دلالة على رضاها، وقد رد النبي ﷺ نكاح امرأة أُجبرت على التزوج بمن لا تحب، وجاءت فتاة في ذلك فقالت يا رسول الله: إن أبي يريد أن يزوجني وأنا كارهة من فلان، فقال لها: أجيزي ما صنع أبوك. فقالت: إني كارهة. فقال: أجيزي ما صنع أبوك، كرر عليها مرة ومرة. فلما صممت على الإباء قال النبي ﷺ: إن لك أن ترفضي. وأمر الأب أن يتركها وما تشاء، حين ذاك قالت الفتاة: يا رسول الله، أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن يعلم الآباء أن ليس لهم من أمر بناتهم شيء"، فلا بد أن تستشار الفتاة وأن ترضى وأن يعرف رأيها صراحة أو دلالة.
(ب) ولا بد أن يرضى الولي وأن يأذن في الزواج، وقد روي في الحديث: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل، باطل، باطل"، وليست المرأة المسلمة الشريفة هي التي تزوج نفسها بدون إذن أهلها. فإن كثيرًا من الشبان، يختطفون الفتيات ويضحكون على عقولهن، فلو تركت الفتاة الغرة لنفسها ولطيبة قلبها ولعقلها الصغير لأمكن أن تقع في شراك هؤلاء وأن يخدعها الخادعون من ذئاب الأعراض ولصوص الفتيات، لهذا حماها الشرع وجعل لأبيها أو لوليها أيًّا كان حقًّا في تزويجها ورأيًّا في ذلك واعتبر إذنه واعتبر رضاه كما هو مذهب جمهور الأئمة.
(ج) ثم إن النبي ﷺ زاد على ذلك فخاطب الآباء والأولياء فقال: "آمروا النساء في بناتهن" كما رواه الإمام أحمد، ومعنى "آمروا النساء في بناتهن" أي خذوا رأي الأمهات؛ لأن المرأة كأنثى تعرف من شئون النساء، وتهتم منها بما لا يهتم الرجال عادة. ثم إنها كأم تعرف من أمور ابنتها ومن خصالها ومن رغباتها ما لا يعرفه الأب، فلا بد أن يعرف رأي الأم أيضًا.
فإذا اتفقت هذه الأطراف كلها من الأب ومن الأم ومن الفتاة ومن الزوج بالطبع، فلا بد أن يكون الزواج موفقًا سعيدًا، محققًا لأركان الزوجية التي أرادها القرآن من السكن ومن المودة ومن الرحمة وهي آية من آيات الله ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم: 21).
والله تعالى أعلى وأعلم
روابط ذات صلة:
عضل الولي.. اتقوا الله في النساء!
الذكاء الصناعي يقوم مقام ولي المرأة في الزواج!