قتل المجاهد نفسه خوفا على ما معه من أسرار!

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
  • القسم : السياسة الشرعية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 421
  • رقم الاستشارة : 3675
27/12/2025

فضيلة الشيخ المحترم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، اطّلعتُ على فتواكم التي تذكرون فيها أن ما يُسمّى بالعمليات الاستشهادية لا يُعدّ انتحارًا، استنادًا إلى قاعدة «إنما الأعمال بالنيات»، وأن القصد منها هو التضحية لا قتل النفس لذاتها. وأودّ الاستفسار – تفضّلًا – عن ضابط هذا التعليل؛ إذ يَعرض لي إشكالٌ منطقي، وهو: إذا كان تغيّر النية كافيًا لنقل الفعل من كونه انتحارًا محرّمًا إلى كونه استشهادًا مشروعًا، فهل يلزم من ذلك أن يُقال بجواز إقدام شخصٍ مهدَّدٍ بالاغتصاب أو الخطف على قتل نفسه، بنيّة حفظ عرضه أو دفع الأذى عن نفسه، على اعتبار أن قصده ليس اليأس ولا الفرار من الحياة، بل حماية نفسه؟ فما الفارق الشرعي الدقيق بين الصورتين، وما الضابط الذي يمنع التوسّع في هذا الباب حتى لا يختلط الانتحار المحرّم بما يُدَّعى فيه حسن النية؟ جزاكم الله خيرًا، ونفع بعلمكم.

الإجابة 27/12/2025

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:

 

فنشكر لكم أخي الكريم هذا السؤال العميق الدقيق، الذي ينم عن عقلية واعية مدققة محققة تفكر في كل ما تقرأ وتستدرك وتسأل لتعرف وتعلم وتزداد يقينًا وعلمًا.

 

وفي واقعة السؤال لست أنا وحدي الذي أجاز هذه العمليات بل سبقني إليه كثير من العلماء الثقات العدول والهيئات الفقهية، مثل الدكتور يوسف القرضاوي والشيخ فيصل مولوي وابن باز وكثير من علماء المملكة – رحمهم الله – ومن الهيئات دار الإفتاء المصرية في عهود مفتيها السابقين والأزهر، بل شاركهم في ذلك بعض علماء النفس المعتدلين من اليهود أنفسهم.

 

والذين أجازوا العمليات الاستشهادية لم يعتمدوا على النية وحدها، بل اعتمدوا على أن حفظ الدين مقدم على حفظ النفس، وبالتالي يجوز التضحية بالنفس حفظًا للدين، وما رواه الترمذي وحسنه بسنده عن رسول الله قال: "من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد".

 

ووضعوا ضوابط لذلك من أهمها أن تتعين هذه الوسيلة، فلا يمكن الدفاع عن الدين أو النفس أو العرض إلا بهذه العمليات، فإن وجد غيرها فيحرم قتل النفس.

 

أما قتل النفس بالنسبة للمسلم أو المسلمة الذي يخاف على عرضه أو على ما معه من أسرار، ففرّق العلماء بين حفظ العرض فلا يجوز قتل النفس حفظًا للعرض، حيث إن حفظ النفس مقدم على حفظ العرض أو النسل.

 

أما من يقتل نفسه حفظًا على ما معه من أسرار سيترتب عليها كشف عورات المسلمين ويتسبب في قتل أنفسهم فمحل اختلاف بين الفقهاء، والأصل التحريم إلا إذا ترتب على ذلك ضرر لا يحتمل، أو ضياع أنفس للمسلمين فيدفع الضرر الأشد بالضرر الأخف، وهذا ما نرجحه للفتوى.

 

اختلاف المتأخرين في هذه المسألة

 

جاء في الموسوعة الميسرة في القضايا المعاصرة:

 

لم يذكر الفقهاء المتقدمون ما يشير إلى هذه المسألة صراحة، أما المتأخرون فقد اختلفوا على اتجاهين:

 

الاتجاه الأول: تحريم قتل المجاهد نفسه خشية إفشاء سر المسلمين لعدوهم، ونسب إلى بعض الفقهاء المعاصرين.

 

واستدلوا بما يلي: عموم النصوص التي تحرم قتل النفس وإزهاقها، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195].

 

الاتجاه الثاني: الجواز بشرط أن يكون السر عظيمًا يلحق كشفه بالمسلمين ضررًا بالغًا؛ وأن يغلب على ظنه عدم الصمود مطلقًا، وأنه إن عذب فسيفشي السر. وهو قول جماعة من الفقهاء المعاصرين كالشيخ محمد بن إبراهيم، وحسن أيوب، وعجيل النشمي. واستدلوا بما يلي:

 

الدليل الأول: أن الصحابة رضي الله عنهم فدوا رسول الله ﷺ بأنفسهم يوم أحد، حتى قال أبو طلحة رضي الله عنه: (نحري دون نحرك)، [البخاري (3600), ومسلم (1811)].

 

وجه الاستدلال: فيه مشروعية الفداء بالنفس إذا كان في ذلك مصلحة للإسلام وحفظ لأرواح المسلمين.

 

الدليل الثاني: ما ورد في قصة الغلام المؤمن مع أصحاب الأخدود عندما أرشد الملك إلى كيفية قتله؛ لما كان في ذلك مصلحة للدين؛ مما يدل على مشروعية قتل النفس والإعانة عليه إذا كان ذلك يحقق مصلحة كبيرة للمسلمين أو يمنع خطرًا عظيمًا يتهددهم.

 

الدليل الثالث: أن هذا المأسور الذي لا صبر له على تحمل العذاب ويخشى أن يُفشي السر سيتسبب في قتل غيره إن لم يقتل نفسه؛ ومعلوم أن قتل المسلم لأخيه يوجب عليه حقين: حق الله، وحق أخيه؛ أما قتله لنفسه ففيه حق واحد لله وهو أخف، والقاعدة الشرعية تقول: (يحتمل الضرر الأخف لمنع الضرر الأكبر).

 

والله تعالى أعلى وأعلم

 

روابط ذات صلة:

العمليات الاستشهادية: حكمها والفرق بينها وبين الانتحار

تسليم الأسير المسلم نفسه للأسر

كذب الأسير: بين الحظر والإباحة

حكم إضراب الأسير في سجون الظالم أو المحتل

الرابط المختصر :