الإستشارة - المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
- القسم : قضايا التعدد
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
215 - رقم الاستشارة : 4333
11/03/2026
اأنا رجل وأريد أن أفهم الأمر صح، الإسلام أعطى الرجل الحق أن يتزوج حتى أربع نساء بشرط العدل بينهن، وفي نفس الوقت حث على حفظ النظر عن النساء والابتعاد عن الحرام. فكم عدد الزوجات يحتاج الرجل مثلي لكي لا أنظر إلى باقي النساء وأكتفي بما عندي؟ وهل الزواج بأكثر من واحدة دائمًا يكفي للحد من النظر، أم أن الموضوع أعمق من مجرد العدد ويحتاج ضبط النفس والقلب؟ وما هي النصائح الشرعية العملية لي أحافظ على الحلال والعدل وأبتعد عن الفتن بدون الاقتصار فقط على تعدد الزوجات؟
أهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم في موقعك بوابة الاستشارات الإلكترونية.
التشريع الإسلامي قام بتقنين تعدد الزوجات وليس كما يتصور البعض أنه جاء بأمر لم يكن موجودًا، بمعنى أن الرجل العربي قبل الإسلام كان يتزوج أي عدد من النساء بلا حد أقصى.. يتزوج هذه ثم تعجبه وتلك وقد يهجر الأولى أو ينساها وتقع من ذاكرته ثم لا يلبث أن يمل فيبحث عن الرابعة والخامسة وهكذا وعندما نزلت الآيات التي تحدد أقصى حد لتعدد الزوجات بـ4 كان هناك صحابة لديهن 8 زوجات وصحابة لديهن 10 زوجات..
الله سبحانه وتعالى الذي خلق الإنسان هو من قرر أن الرجل لن يستطيع أن يرعى ويهتم ويعدل بين أكثر من 4 نساء كحد أقصى.. الزواج الذي وصفه القرآن بالسكن والذي يقوم على المودة والرحمة لا يمكن لرجل أن يمارسه إلا مع 4 نساء كحد أقصى، أما العلاقات الجسدية فيمكن أن تفوق العد والحصر لأنها علاقات بلا مسئوليات.. علاقات تحمل عواطف مزيفة، وعلى الرغم من ذلك تبدو لبعض الرجال علاقات مهمة جدًّا لأنها تجعله يعيش في حالة من الإثارة الحسية والتشويق المتجدد والذي لن يجده حتى لو تزوج 4 نساء زواجًا على التأبيد.
ركيزة طهارة القلب
جاذبية العلاقات المتعددة دفعت شابًّا مسلمًا كي يذهب للنبي ﷺ ويطلب منه إذنًا في الزنى.. شاب يبحث عن المتعة السريعة المتنوعة التي اعتاد عليها ولكن النبي ﷺ يعالجه علاجًا معرفيًّا فالمرأة التي يتصورها الشاب مجرد وجه جميل وجسد ساحر وأداة لإشباع الشهوة هي إنسان هي أم وخالة وعمة وأخت وابنة، فهل يقبل أن ينظر أحد على أمه أو أخته أو ابنته بهذه النظرة الرخيصة.. الشاب أجاب صادقًا لا..
لكن العلاج المعرفي وحده لا يكفي، فكان العلاج النفسي الروحاني من النبي ﷺ الذي طلب من الشاب أن يجلس قريبًا منه وهو يناقشه معرفيًّا.. الجلوس عن قرب احتواء عاطفي وإنساني لشاب ربما ينظر للأشياء نظرة مادية والاحتواء العاطفي يشعل في القلب مشاعر تخفف من عنف المادة وصخبها..
بعد أن تمت الخطوة المعرفية وضع النبي ﷺ يده الشريفة عليه ودعا له فقال: (اللهم طهر قلبه، واغفر ذنبه، وحَصِّنْ فرْجَه) فكانت النتيجة أن هذا الشاب استقام ولم يعد يلتفت مجرد التفات لأي علاقة محرمة ولم تعد النساء شغله الشاغل.
أن يدعو الإنسان الله بصدق أن يطهر قلبه وأن يجنبه شر الفتن وشر إطلاق النظر كفيل أن يحميك من الفتن ومن النظر ومن الرغبات المستمرة.. الشرط الوحيد حتى يستجاب الدعاء هو الصدق.
ومن الصدق ألا يسعى الإنسان بنفسه لطريق الفتن فيتصفح الصفحات والمواقع التي تنشر صور النساء ولا يتابع البلوجرز من النساء، ومن الصدق أن يفعل فريضة غض البصر؛ فالنظرة الأولى عفوية ولكن الثانية مقصودة.. وإذا حدثت النظرة الثانية فيهرع للاستغفار والتوبة ولا يستسلم للثالثة.
منهج التعامل مع الشهوات
أخي الكريم، الله سبحانه وتعالى يقول: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}، فوضع حب النساء على رأس الشهوات التي يميل إليها الإنسان بطبعه ووضع لها المنهج الذي يتعامل به مع الشهوات عمومًا والنساء خاصة، وهذا المنهج يتسم أنه:
ـ واقعي، فأباح له الزواج بل وحثه عليه ومنحه الأجر على ممارسته له؛ لأنه في سياق الحلال، ومنحه رخصة ثانية وثالثة بل ورابعة لعلاقات زوجية في إطار الحلال حتى لا يكون له أي مبرر لارتكاب المحرمات.
ـ عاطفي، فالزواج يعني السكن، والسكن آية من آيات الله تعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا}.. الزواج ليس مجرد علاقة جسدية لإطفاء الشهوات.. نعم هو يعترف بها ويثيب عليها ولكنه يحيطها بالمشاعر والعواطف وبالمودة والرحمة.
· مسئول، فالزواج مسئولية مادية ونفسية.. الزواج يعني مهرًا ونفقة وقوامة واهتمامًا، وإذا عدّد الرجل تحمل هذه المسئولية في الزواج الثاني، بالإضافة لمسئولية العدالة التي شدد عليها التشريع.
فلسفة المتعة
لكن هل معنى أن حب النساء على رأس الشهوات أن يستسلم الإنسان لهذه الشهوة فيظل ينظر لهذه وهذه، ويقارن بين هذه وتلك ثم يقارن مع نجمات السينما وشهيرات السوشيال ميديا، وقد يفعل هذا كله وهو يخدع نفسه أنه يبحث عن عروس مناسبة الأولى أو الثانية.. الكثير يخدع نفسه ويوقع نفسه في الفتنة.
تأمل يا أخي هذا الحديث النبوي (إن الدنيا حلوة خَضِرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء).. الحياة الدنيا فيها كثير من المغريات اللذيذ، طعمها "حلوة" تخطف الأبصار بجمالها، "خضرة" تشغل الحواس جميعًا وتشعلها لو تم الاستسلام لها.. الله منحنا الحرية وسمح لنا أن نأخذ منها بقدر ما نحتاج بصورة حقيقية بل ومنحنا هامشًا إضافيًّا فوق الاحتياج، لكن أكثر من ذلك ننزلق ونهوي ونخسر إنسانيتنا ونكون كمن يأكل ولا يشبع ويشرب ولا يرتوي.. وفي لحظة ما نفقد المذاق اللذيذ والشكل الجميل من كثرة ما اعتدنا عليه، وما حدث على جزيرة إبستين إلا صورة مريعة لبشر حصلوا على كل المتع وبحثوا عن المزيد والمزيد فلم تعد المتعة العادية تشبعهم فانحطوا لمرحلة لا تصلها البهائم.
أفكار عملية
أخي الكريم، حاولت في السطور الماضية أشرح لك مشكلة اللذة وفلسفتها وكيف عالجها الإسلام، وطبقنا ذلك على شهوة النساء، وإذا أردنا خلاصة الموضوع أو أفكارًا عملية للحفاظ على الحلال والابتعاد عن الفتن فإليك بعض الأفكار:
ـ الدعاء والاعتصام بالله هو الضامن الأكبر لطهارة القلب كما سبق وتحدثنا في فقرة سابقة.
ـ وجود رسالة للإنسان في هذه الحياة تتجاوز احتياجاته ورغباته وشهواته ومشكلاته.. من يحمل رسالة كبيرة تقل مشكلاته الفردية ويستطيع السيطرة على احتياجاته ورغباته.. انظر للشباب المقاوم في فلسطين مثلا فستجد أن قضايا أخرى واهتمامات أخرى تشغله عن مثل هذه الأمور.
ـ الالتزام بالتشريع الإسلامي بصورة كلية، بدءًا من الحفاظ على الطهارة، مرورًا بغض البصر انتهاء بالحفاظ على الصلاة في المسجد يمنح الإنسان روحانية عالية تخفف من غلواء المادة.
ـ الرضا ركيزة كبرى؛ لأن الرضا يمنح الإنسان السكينة، فرضا الرجل بزوجته مثلا واعتبارها عالمه الذي قدره الله له وتأمل مميزاتها وشكر الله عليها والتغافل عن عيوبها سيجعله سعيدًا مكتفيًا خاصة إذا قارن نفسه بمن لا زوجة له ولا سكن، لكن إذا شعر أن هذه الزوجة لا تشبعه ولا تكفيه.. فلا حرج عليه من البحث عن زوجة ثانية (طبعًا هناك أسباب أخرى للزواج الثاني ليس هنا موضوع نقاشها بما فيها الرغبة في المزيد من الحلال).
ـ الاستبصار فبعض الرجال يبحث عن الكمال والمثالية في زوجته لكنه لا يستبصر بحاله ومشكلاته.. فهذا رجل يبخل على زوجته بالمال ثم يقارنها بفتيات السوشيال ميديا، وهذا رجل أصابته بعض المشكلات الجنسية وبعضهم في سن الشباب، وبدلا من السعي نحو العلاج الطبي يحمل زوجته المسئولية فهي لم تعد تهتم.. هي لم تعد مثيرة.. لقد فقدت رشاقتها بعد الإنجاب وبعضهم يصور لنفسه أنه رجل متطلب يعيش مع زوجة باردة، وهكذا فالاستبصار الحقيقي بالذات وواقعها وما تحتاجه ضمانة كبيرة تمنع السعي الخاطئ والمشوش.
إذًا يمكننا القول بكل ثقة أن تعدد الزوجات لا يكفي لمنع الفتن.. نعم قد يساعد البعض ولكنه لن يحل جذور المشكلة؛ لأن علاج الجذور بحاجة لضبط القلب والنفس كما ذكرت في رسالتك.. بحاجة لإشعال نفحة الروح وعدم الاختزال في الحمأ المسنون...
أخي الكريم، أنت على نفسك بصيرة فتأملها بعمق وستجد كل الإجابات التي تبحث عنها.. أسعد الله قلبك ويسر أمرك وبارك حياتك، ويسعدنا أن تكتب لنا مرة أخرى.
روابط ذات صلة: