كيف أتخلَّص من التعصُّب الكروي وأستعيد حياتي؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : الأخلاق والمعاملات
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 560
  • رقم الاستشارة : 3265
13/11/2025

أنا مدرس عندي 35 سنة، متزوج وعندي أولاد الحمد لله. أنا منتمي عاطفيا بشكل قوي لنادي رياضي مُعيّن باشجعه وبتابع كل ماتشاته في كرة القدم بالذات وغيرها، وبعيش مع كل نتيجة بشكل مبالغ فيه؛ لو خسر بازعل جدا وباتوتر وباتعصب جدا على أي حد بيشجع المنافس، ولو كسب بافرح فرح كبير وأفضل أحفِّل على مشجعي الفريق الخسران. وأحيانًا بابقى حريص جدا على حضور بعض مبارياته المهمة في الاستاد، وده طبعا بيأثر على شغلي وأسرتي وحياتي بشكل عام، وصحتي كمان، وعلاقاتي حتى بطلابي.

أنا عارف إن اللي بعمله ده غلط، بس فعلا مش عارف أتخلص من الحاجة دي، وبلاقي نفسي منساق ليها زي المتخدر.

أعمل إيه؟

الإجابة 13/11/2025

مرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على ثقتك بنا، وأسأل الله أن يشرح صدرك، ويهدي قلبك، ويعينك على ما يُصلِح دينك ودنياك، ويعد...

 

فما فعلتَه الآن هو نصف العلاج؛ أن تقف مع نفسك وقفة صدق، وتعترف بأن هناك خللًا بدأ يتسلَّل من باب الهواية ليَمسَّ قلبك وسلوكك وأُسرتك وعلاقاتك. إن كثيرين منا وحولنا يعيشون المعاناة ذاتها؛ لكنهم لا يعترفون بها، فتتفاقم حتى تلتهم أثمن ما يملكون.

 

فهم وتأصيل المشكلة

 

أخي الكريم، إن الانتماء لنادٍ رياضي أو تشجيعه ليس مُحرَّمًا في ذاته، بل قد يكون وسيلة مباحة للترويح وتفريغ الضغط، ما دام في حدود الاعتدال؛ ولم يؤدِّ إلى تضييع للواجبات أو ارتكاب محرمات. لكن المشكلة تبدأ حين يسيطر هذا الانتماء على المشاعر والسلوك والقرارات، فيخرج من دائرة «مجرد المتابعة» إلى دائرة «التعلُّق المَرَضي».

 

ولقد وصف الله –تعالى- حال صاحب القلب الذي استُدرج لشيءٍ يُشغله عن أولوياته، فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: 43]، والمقصود بالتأليه هنا ليس العبادة الشعائرية المحضة؛ بل الاتباع المُطلق لما يجرف المشاعر حتى يصبح صاحب هذا القلب أسيرًا له.

 

إن ما تشعر به الآن من توتر وغضب وفرح مبالغ فيه هو انعكاس لتراكم سنوات من الارتباط الوجداني غير المنضبط، حتى أصبحت نتيجة مباريات هذا النادي بالنسبة لك جزءًا من كيانك، وكأن هويتك مرتبطة بفوز النادي وخسارته!

 

ضرر هذا التعلق على حياتك

 

لقد أشرت بنفسك إلى أربعة مسارات في حياتك تتأذَّى بسبب هذا التعلَّق:

 

1- الأسرة: توتر، وإهمال، وحضورٌ بالبدن فقط؛ والغياب الذهني.

 

2- العمل: انفعال، وعصبية، وتشتُّت يُضعف أثرك بوصفك مدرسًا.

 

3- الصحة: ضغط نفسي، وانفعال عصبي، وقلق، وما قد ينتج عن ذلك من أمراض.

 

4- العلاقات الاجتماعية: حدَّة مع الآخرين، وكراهية متبادلة بسبب الانتماء الرياضي.

 

ولقد صدَّق النبي على قول سلمان لأبي الدرداء –رضي الله عنهما- حين نصحه برسم ميزان بديع للحقوق: «إنَّ لنَفْسِكَ عليكَ حقًّا، ولِرَبِّكَ عليكَ حقًّا، ولِضَيْفِكَ عليكَ حقًّا، وإنَّ لِأهلِكَ عليكَ حقًّا؛ فأَعْطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ» [رواه البخاري]. وحين يطغى شيء على هذه الحقوق، أو يطغى أحدها على الآخر، فإنما هي إشارة إلى أن القلب خرج عن اعتداله، ووجبت إعادة الضبط.

 

كيف تُعيد الأمور إلى نصابها؟

 

مستعينًا بالله، سأضع لك بعض الخطوات العملية الواقعية التي تستطيع البدء بها فورًا، دون صدمات أو قطعٍ مفاجئ يسبب رد فعل عكسيًّا، شأنها شأن كل خطوات العلاج من إدمان أي شيء أو التعلق به.

 

1- إعادة ضبط المفاهيم عقليًّا وقلبيًّا:

 

 

ذكّر نفسك دائمًا أن التشجيع «هواية» لا «هوية». قل لنفسك قبل كل مباراة: «سأشاهد لأستمتع، ولن أترك المشاهدة ولا النتيجة تؤثران على شيء في حياتي». قد لا يحدث هذا في المرات الأولى؛ لكن مع التكرار تترسخ القناعة ويخف التأثر.

 

2- استعن بالله:

 

احرص على دوام الدعاء: «اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همِّنا، ولا مبلغ علمنا، واجعل قلوبنا معلَّقة بما تحبه وترضاه». وعند كل انفعال، قل: «اللَّهُمَّ اهْدِ قَلْبِي».

 

املأ قلبك بذكر الله، وستجد هذا التعلق يهدأ تدريجيًّا، ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].

 

وحين تشعر بالغضب أو التوتر، جرِّب ما نصح به النبي ﷺ لضبط الغضب، من الوضوء: «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ»، أو تغيير الهيئة كما قال ﷺ: «إذا غضبَ أحدُكم وَهوَ قائمٌ فليجلِسْ، فإن ذَهبَ عنْهُ الغضبُ وإلَّا فليضطجِعْ» [رواهما أبو داود]. فهذا التغيير يُطفئ شرارة التفاعل النفسي بسرعة.

 

3- الصحبة الصالحة:

 

استبدل بصحبة التشجيع والتعصب و«التحفيل»، صحبة صالحة تعينك على النافع والمفيد، يقول الله عز وجل: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ولا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتَّبَعَ هَوَاهُ وكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28]. وقال ﷺ: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَليلِه؛ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخالِلْ» [رواه أبو داود].

 

4- وضع حدود زمنية للمتابعة:

 

اجعل لنفسك وقتًا محددًا لمتابعة الأخبار والصفحات والبرامج، حسب وقتك وواجباتك. نصف ساعة يوميًّا –على سبيل المثال- تكفي تمامًا. وقم بإلغاء متابعة الصفحات التي تُغذي التعصب والسخرية والمقارنات و«التحفيل»، فهي الوقود الحقيقي للمشكلة.

 

5- تفريغ التفاعل في المكان الصحيح:

 

اعلم أن القلب وعاء لا بد من أن يُملَأ، فإن لم تملأه -بإرادتك- بالحق والجميل، مُلِئ -رغمًا عنك- بالباطل والقبيح. وهناك أمور مفيدة كثيرة تستطيع أن تملأ بها قلبك وتعيرها اهتمامك ووقتك، منها على سبيل المثال:

 

- قراءة ورد قرآني ثابت يوميًّا، الذي أكاد أُجزم أنك مفرط فيه ومهمل له.

 

- أداء السنن الراتبة للصلوات الخمس.

 

- متابعة أخبار المسلمين في العالم، وما يحدث حولنا عمومًا من أحداث مهمة، وستجد أن هناك أحداثًا وأمورًا كثيرة تستحق التفاعل والتأثر أكثر من مجرد نتيجة مباراة كرة.

 

- توسيع الاطلاع وزيادة المعلومات في مجال تخصصك؛ ما ينعكس إيجابًا على شخصك وعلى تلاميذك.

 

- اكسر احتكار النادي الذي تشجعه لقلبك، وأعد توزيع شغفك على أمور أخرى، مثلًا: مارس هوايات جديدة نافعة، مثل: ممارسة الرياضة الحقيقية، لا مجرد مشاهدة من يمارسها. أو القراءة، أو تعلم مهارة جديدة... إلخ.

 

6- أعد بناء علاقاتك مع أسرتك وطلابك:

 

خصّص وقتًا ثابتًا لزوجتك وأولادك بعيدًا عن الأجهزة والمباريات، سواء أكان في البيت أم بالخروج والتنزه معهم. فهذا سيشبع جانبًا عاطفيًّا مهمًّا لديكم جميعًا، وسيضعف تلقائيًّا سيطرة متابعة النادي على مشاعرك.

 

أما مع طلابك، فاستخدم ما تعانيه الآن فرصةً تربوية؛ حدِّثهم عن التوازن، وعن ضبط النفس، وعن قضاء الوقت في المفيد والنافع.

 

7- الامتناع تمامًا عن «التحفيل»:

 

إن «التحفيل» والسخرية يجلبان العداوات ويقسيان القلب. فاضبط لسانك، ولا تشارك في هذا السلوك؛ لا بشكل مباشر، ولا عن طريق وسائل التواصل، وستشعر براحة قلبية، وستكتسب خلقًا نبيلًا يكُفُّ عنك الذنوب، ويكسبك احترام الآخرين.

 

وختامًا أخي العزيز، اعلم أنك ما دمتَ صادق النية، فإن الله سيفتح لك بابًا بعد باب، ويعينك على إصلاح نفسك، ويبدِّل اضطرابك سكينة.

 

أسأل الله أن يمنحك قلبًا سليمًا، وأن يجعل شغفك فيما يفيدك ويقويك ويرضي ربك، وأن يبارك في بيتك وولدك وعملك.

 

روابط ذات صلة:

التعصب الرياضي.. هؤلاء هم الضحايا

هل نحن عبيد للرياضة.. أم سادة لها؟!

كرة القدم.. وقضايا الأمة الكبرى!

الرابط المختصر :