الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الفتور والضعف
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
588 - رقم الاستشارة : 3818
13/01/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنا ربة منزل متزوجة ولدي أطفال. أبلغ من العمر 37 عاماً، أشعر بثقل شديد تجاه العبادات، خاصة الصلاة وسننها، لست منكرة لفضلها، وأعلم أنها طوق نجاتي، لكنني بمجرد أن أسمع الأذان أبدأ بالتسويف: سأقوم بعد قليل، سأنتهي من تنظيف المطبخ أولاً، سأقضي حاجة ابني، سأفرغ من هذه المحادثة مع صديقتي، عندما أنتهي من مشاهدة هذا المقطع... إلخ.
وينتهي بي المطاف غالباً بأداء الصلاة في آخر وقتها وبسرعة شديدة دون خشوع، ومهملة تماماً وردي من القرآن والأذكار بحجة التعب والإرهاق الجسدي والانشغال. هذا الأمر يسبب لي شعوراً دائماً بالذنب والبعد عن الله.
كيف أتخلص من هذا الكسل؟ وأقبل على الفرائض والطاعات بنشاط؟
مرحبًا بك أختي الفاضلة، وأشكر لك ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يشرح صدرك، ويُيسِّر أمرك، وأن يذيقك حلاوة الطاعة ولذة المناجاة، وأن يبارك لك في وقتك وجهدك وأبنائك، وبعد...
الشعور بالذنب بداية الطريق
إن ما تشعرين به من ضيق وألم بسبب تقصيرك في الصلاة والعبادة هو علامة جلية على صدق إيمانك؛ فالذي لا يبالي بصلاته لا يشعر بهذا الثقل. فاعلمي أن هذا الشعور هو الوقود الذي سيحركك للتغيير بإذن الله. يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]. وكونك تعظمين قدر الصلاة في نفسك وتحزنين لضياع خشوعها، فهذه هي الخطوة الأولى نحو الإصلاح.
إدراك حقيقة «التسويف»
إن التسويف (سأقوم بعد قليل) هو أحد أقوى أسلحة الشيطان ليحرمك من بركة الوقت. قال رسول الله ﷺ: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ علَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكمْ إِذَا هو نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ كلَّ عُقْدَةٍ عَلَيْك لَيْلٌ طَوِيلٌ، فَارْقُدْ فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكرَ اللَّهَ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فأصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ وإلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كسْلَانَ» [رواه البخاري].
والحل –أختي الفاضلة- اكسري العقدة الأولى فور سماع الأذان بالاستعاذة بالله من الشيطان، والنهوض فورًا.
الصلاة مصدر الطاقة لا عبئًا مضافًا
أختي الكريمة، الصلاة ليست مهمة تضاف لجدول أعمالك المزدحم، بل هي «المحطة» التي تتزودين منها بالطاقة لإنهاء تلك المهام. إنك عندما تؤخرين الصلاة ترفعين البركة عن وقتك، فيبدو عمل المنزل أكبر، وطلبات الأبناء أثقل. يقول تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: 45].
فخ «المثالية» في العمل المنزلي
إن تنظيف البيت وعمل المطبخ لن ينتهي، ومحادثات الصديقات لا تنقضي؛ لكن وقت الصلاة محدود. فاجعلي مجرد سماع الأذان قاطعًا لك عن أي عمل غير الصلاة. مهما كان ما بيدك، اتركيه. فأي عمل تؤجلينه لبعد الصلاة لن يسبب لك مشكلة أو فوضى، بقدر فوضى الروح التي تخلفها الصلاة المتروكة أو المؤخرة.
خطورة الملهيات الرقمية
إن انشغالك بمشاهدة المقاطع وإجراء المحادثات وقت الصلاة ليس مجرد تضييع وقت، بل هو صراع خفي يؤثر على جوهر علاقتك بخالقك وعلى استقرارك النفسي؛ فالقلب وعاء، فإذا ملأت هذا الوعاء بصور المقاطع، وتفاصيل حياة الآخرين، والضحك على الطرائف، أو متابعة الأخبار والمحادثات قبيل الصلاة، فإنه يدخل في الصلاة وهو ممتلئ بهذه الصور، ويجعل العقل في حالة ضجيج، فيقف العبد بين يدي الله وجسده في الصلاة وقلبه لا يزال يقلِّب صفحات التواصل!
ولكي تخشعي في صلاتك، يحتاج قلبكِ إلى «التفريغ» أو «التخلية» قبل «التحلية» بالصلاة. قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: 4]. فالقلب الذي يمتلئ بفضول النظر والكلام، يصعب عليه أن يمتلئ بنور المناجاة في آن واحد.
إن تأجيل العبادة والتسويف فيها بسبب الهاتف يسرق منك أجمل ساعات يومك. تلك الدقائق التي تظنين أنها قليلة تتراكم لتصبح ساعات، مما يولد لديك شعورًا بالتقصير تجاه بيتك وأطفالك، وهذا يؤدي بدوره إلى الضغط النفسي الذي تدفعين ثمنه من هدوئك وخشوعك.
إن الوقت هو رأس مال المسلم، وسيُسأل عنه. قال النبي ﷺ: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ» [رواه الترمذي].
فإنك لم تُصَلِّ!
ذكرتِ أنك تؤدين الصلاة بسرعة شديدة. وهذا هو «نقر الغراب» الذي حذَّر منه النبي ﷺ، وهو نتيجة طبيعية لاستعجالك للعودة إلى الهاتف أو إنهاء المهام المنزلية. وقد رأى النبي ﷺ رجلاً يصلي فلا يتم ركوعه ولا سجوده، فقال: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» [رواه البخاري].
إن الهاتف يجعلكِ تعيشين في حالة عجلة دائمة، بينما الصلاة هي فرصتك للراحة والتنفس بعيداً عن ضجيج العالم.
نصائح عملية لضبط الملهيات:
أعلني «الصيام الرقمي» وقت الصلاة:
1. أغلقي شبكة الإنترنت قبل الأذان بـ5 دقائق.
2. ضعي الهاتف في غرفة أخرى بعيدًا عن مكان صلاتك.
3. اجعلي الورد اليومي من المصحف الورقي لا من الهاتف؛ لتنفصلي تمامًا عن التنبيهات والمغريات التي تشتت ذهنك.
خطوات للتخلص من الكسل والفتور
- القيام فورًا للوضوء والصلاة بمجرد سماع الأذان، قبل أن يبدأ الشيطان في اختلاق الأعذار وتعطيلك.
- الدعاء في دُبر كل صلاة كما أوصى النبي ﷺ: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» [رواه أبو داود].
- الذِّكر خلال الأعمال المنزلية، فلستِ بحاجة للتفرغ التام للأذكار. سبحي واستغفري وأنتِ ترتبين المنزل، واجعلي لسانك رطبًا بذكر الله أثناء طهي الطعام. هذا يحول عملك المنزلي إلى عبادة ويطرد الكسل.
- تذكري أن الموت يأتي بغتة، وعندما يوسوس لك الشيطان بالتأخير، قولي لنفسك: «ماذا لو كانت هذه آخر صلاة لي؟». وقد قال النبي ﷺ: «صَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ» [رواه أحمد].
وختامًا أختي الكريمة، جاهدي نفسك، فالمجاهدة في سبيل الله من أعظم القربات، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].
ابدئي من الصلاة القادمة، ولا تنتظري الغد، فالسعادة والراحة التي تبحثين عنها موجودة في السجدة التي تخشعين فيها، لا في وسائل التواصل أو غيرها من الملهيات.
وفقك الله ورعاك، وشرح صدرك، ويسَّر أمرك.
روابط ذات صلة:
الآن وليس غدًا.. كيف تكسر حلقة التسويف؟
فقدت لذة العبادة وأشعر بالفتور.. كيف أعود؟