الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : الدعوة النسائية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
211 - رقم الاستشارة : 4134
16/02/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا امرأة ملتزمة منذ سنوات، أحرص على الطاعة والعبادة، لكنني في الفترة الأخيرة أشعر بثقل شديد في قلبي؛ صرت أؤدي العبادات بمشقة، وكأن العلاقة بالله تحوّلت من شوقٍ وطمأنينة إلى واجبٍ ثقيل وخوفٍ دائم من التقصير.
أسمع خطابًا دعويًّا يكثر فيه التذكير بالعقاب والمحاسبة، فأخرج منه مثقلة لا مقبلة، وأخشـى أن أكون فقدت حلاوة الإيمان، أو أن يكون ما أمرّ به فتورًا مذمومًا. فكيف أتعامل مع هذا الإرهاق الروحي؟ وكيف تُوجَّه الدعوة لمن التزم لكنه تعب؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، مرحبًا بكِ، وأحسن الله إليكِ، واعلمي -رعاكِ الله– أن ما تصفينه ليس سقوطًا إيمانيًّا؛ بل حالة يمرّ بها كثير من الصادقين في طريق الالتزام؛ فالتعب لا يكون إلا بعد مسير، والإنهاك لا يصيب إلا من ثبت وطال وقوفه في الميدان.
وإنَّ أول ما يحتاج إلى تصحيح في الوعي:
أن الالتزام ليس خطًّا صاعدًا بلا توقف، بل هو مدّ وجزر، وقوة وضعف، وإقبال وإدبار. وقد قال النبي ﷺ: (إن لكل عمل شِرّة، ولكل شِرّة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى)؛ فالفتور المذموم هو الذي يقطع الطريق، لا الذي يُتعب السائر مع بقاء الاتجاه وصِدق القصد.
ومن معالم الدعوة الحكيمة للمرأة المتدينة المنهَكة:
أولًا: إعادة بناء صورة العلاقة مع الله؛ فحين تتحوّل العبادة إلى عبء دائم، فالمشكلة غالبًا ليست في الطاعة ذاتها، بل في صورة الله في القلب. أعيدي استحضار الله الرحيم اللطيف، الذي قال: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ﴾ [النساء: 147]، فربنا لا يتربّص بعباده، ولا ينتظر زلاتهم، بل يقدّر جهدهم، ويفرح بإقبالهم، ويعلم ضعفهم قبل قوتهم.
ثانيًا: التخفف من التدين المُرهِق لا من الدين: فأحيانًا تُرهق المرأة نفسها بكثرة نوافل، أو مقارنات مع غيرها، أو شعور دائم بأن ما تفعله غير كافٍ، والميزان النبوي واضح: (أحبّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ)، فالدين لم يُشرَع ليُنهك الأرواح، بل ليُقيمها.
ثالثًا: التمييز بين التقصير الصحي والشعور بالذنب المرضي؛ فالذنب الذي يوقظ القلب ويدفع للتوبة محمود، أما الذنب الذي يتحوّل إلى جلدٍ دائم للنفس، ويقود إلى القنوط واليأس، فهو آفة خطيرة. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 53].
رابعًا: تجديد النية لا تغيير الطريق؛ ففي أوقات الإرهاق، لا تحتاجين غالبًا إلى ترك العبادة، بل إلى تجديد معناها: لماذا أصلّي؟ لماذا أقرأ القرآن؟ هل أفعله خوفًا فقط، أم حبًا وشوقًا وطلبًا للقرب؟ فالنية إذا صلحت، خفّ الحمل، وإن بقي العمل.
خامسًا: الخطاب الدعوي هنا يجب أن يكون تثبيتيًّا لا توبيخيًّا؛ فالمرأة الملتزمة المتعبة لا تحتاج إلى مزيد من التخويف، بل إلى من يقول لها: أنتِ على الطريق، لستِ متأخرة، خفّفي على نفسك، وربك لطيف لا يعجَل، ولا يكلّف نفسًا إلا وسعها.
وختامًا:
لا تحملي همّ الوصول، بل همّ الصدق في السير، ولا تجعلي التعب ذريعة للانسحاب، ولا تسمحي للخوف أن يسـرق منك محبة الله، وخذي من الدين ما يُقيمك ويُحييك، لا ما يُثقل قلبك، واعملي وأنتِ مطمئنة أن الله يرى جهدك، لا كمالك، وصدقك، لا صورتك.
وأسأل الله أن يشـرح صدركِ، ويجبر خاطركِ، ويُعيد إلى قلبكِ حلاوة القرب ولذة الطاعة، وأن يجعل عبادتك سكينة لا عبئًا، ونورًا لا ثِقلًا، وأن يرزقكِ الفقه في الدين، والرفق بنفسك، وحسن الظن بربك، وأن يتولاكِ بلطفه في الإقبال والإدبار، إنه وليّ ذلك والقادر عليه.
روابط ذات صلة:
الشعور بانغلاق القلب.. برنامج عملي لفتوحات مضيئة