الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : روح العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
241 - رقم الاستشارة : 4336
10/03/2026
السلام عليكم ورحمة الله
أنا أم لثلاثة أطفال وست بيت، وبصراحة مع دخول العشر الأواخر من رمضان بحس إني في سباق مرعب مع الزمن. من ناحية، قلبي مليان أمنيات ودعوات ونفسي ربنا يستجيب لي في ليلة القدر، ومن ناحية تانية مسؤولية البيت وطلبات الأولاد واخدة كل مجهودي ووقتي.
اللي مخليني محبطة ومشتتة جدًّا هو موضوع تحديد الليلة؛ السنين اللي فاتت كنت بضغط على نفسي وبجتهد في الليالي الوترية بس، لكن مؤخرًا سمعت كلام إن الوتر ممكن يكون شفع في بلد تانية بسبب اختلاف المطالع، وده خلاني أترعب إن الليلة تضيع مني وأنا بعبد ربنا في الوقت الغلط أو أكون مريحة فيه.
حاسة بضغط نفسي كبير، وخايفة يفوتني الثواب وأنا غرقانة في دوامة الحسابات وتضارب المواعيد. إيه المنهج اللي أمشي عليه يخليني أطمن إني أدركت الليلة دي بجد؟
مرحبًا بك أختي الفاضلة، وكل عام وأنت بخير، وتقبل الله منا ومنك صالح الأعمال.
أشكرك جزيل الشكر تواصلك معنا، وأسأل الله أن يبارك لك في أسرتك، وأن يرزقك طمأنينة القلب، ويعينك على ذِكره وشكره وحسن عبادته، وأن يبلغك ليلة القدر ويجعل لك فيها نصيبًا وافرًا من القبول والاستجابة، وبعد...
البيت محراب عبادة
بدايةً، أريد أن أطمئن قلبك بأن المسلمة حين تقوم على خدمة بيتها وأطفالها، فهي ليست في انقطاع عن العبادة؛ بل هي في صلب العبادة. إن سعي المرأة على أطفالها وخدمتها لزوجها وبيتها بنية التقرب إلى الله هو نوع من الجهاد، كما ذكر أهل العلم. لذا احرصي دائمًا على استحضار هذه النية وأنت تقومين بأعمالك في البيت من تنظيف وترتيب وطبخ وغيرها، فكل ذلك سيكون في ميزان حسناتك بإذن الله، فأبشري.
إشكالية الحسابات
أفهم تمامًا القلق الذي ينتابك بسبب اختلاف المطالع أو تداخل الليالي، ولكن دعينا ننظر للأمر من زاوية أوسع تريح بالك:
- الحكمة من إخفاء الليلة: لو أراد الله لنا أن نعرف وقتها بشكل دقيق لأعلمنا بها، ولكن الحكمة من إخفائها هي دفعنا وحثنا على الاجتهاد في الليالي العشر كلها، ليزداد الثواب والفضل، ويتحقق فينا الإخلاص لله عز وجل. يقول الله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [سورة القدر: الآية 3]. وهذه الخيرية العظيمة تستحق أن نجتهد كي ننالها. فهنيئًا لمن اجتهد الليالي العشر كلها، شفعها ووترها، وحرَّر نفسه من دائرة الشك والحسابات، فهو –حتمًا ويقينًا- قد قام ليلة القدر ونال فضلها حتى لو لم يحددها ولم يعرفها. فالمنهج الأضمن والأسلم لإدراك ليلة القدر، هو اعتبار العشر ليالٍ كلها ليلة قدر.
- الأجر على قدر الاجتهاد: إن الله -سبحانه وتعالى- لا يعاملنا معاملة آلية؛ بل يعاملنا برحمته وفضله. فإذا اجتهدت مخلصة لله في أي ليلة من العشر، ولم تكن ليلة القدر، فإن أجرك ثابت عند الله، وكلما زاد اجتهادك زاد أجرك، والله يضاعف لمن يشاء.
قيام الليلة ليس بالصلاة فقط
إن فضل ليلة القدر لا يُنال بالصلاة وحدها، بل بكل عمل صالح يمكن أن تقومي به في هذه الليلة، من: صلاة، وتلاوة للقرآن، وصدقة، ودعاء، وبر، وصلة، ورعاية.
على سبيل المثال، وأنت في بيتك تطبخين أو تنظفين أو تضعين أطفالك في فراشهم، أنت –بنيَّتك- في عبادة كما ذكرت لك في بداية حديثي؛ وتستطيعين مضاعفة أجرك عن هذه الأعمال إذا قرنتِها بذكر الله -عز وجل- تهليلًا وتسبيحًا وتكبيرًا وحمدًا ودعاءً، وخصوصًا دعاء: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني»، الذي علمه النبي ﷺ للسيدة عائشة رضي الله عنها، وأوصاها به في ليلة القدر.
منهج عملي في الليالي العشر
ولكي تخرجي من دوامة الإحباط التي أشرت إليها، اتَّبعي هذا المنهج في الليالي المتبقية من رمضان:
1- تجنبي الحسابات وتتبع العلامات، وتعاملي مع كل ليلة من الليالي العشر (سواء كانت وترًا أو شفعًا) على أنها ليلة القدر المحتملة.
2- حاولي أن تقتنصي ولو ساعة فقط في آخر الليل، حين ينام الأطفال، تختلين فيها بربك، تبثينه همك ودعاءك بقلب حاضر.
3- تصدقي يوميًّا ولو بمبلغ بسيط جدًّا، لتكوني قد تصدقتِ في ليلة القدر يقينًا، فيضاعف لك الله أجر هذه الصدقة أضعافًا.
4- احرصي في هذه الليالي على سلامة الصدر، وأن يكون قلبك خاليًا من الأحقاد والأضغان والبغضاء لعباد الله.
5- أحسني الظن بالله، وتذكري دائمًا قوله –تعالى- في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي» [متفق عليه]. فإذا ظننتِ أن الله سيقبلك رغم تقصيرك ورغم انشغالك ببيتك، فوالله لن يخيب ظنك.
وختامًا أختي الكريمة، لا تدعي التردد والقلق يسرق منك لذة العبادة. إن الله الذي اصطفاك لتكوني أمًّا ومسؤولة عن بيت، يعلم تمامًا ما أنت فيه، وهو أرحم بك من نفسك. فاستمري في عطائك لبيتك، واجعلي قلبك دائمًا معلقًا بالله، وثقي أنك إذا صدقت الله في طلب ليلة القدر، فسيبلغك إياها.
استبشري خيرًا، فالكريم إذا أعطى أدهش. أسأل الله أن يتقبل منك ومن المسلمين أجمعين.
روابط ذات صلة:
تحري ليلة القدر، والحكمة في عدم تحديدها
الذي تفعله الحائض من عبادات في رمضان
ما أفضل الأعمال في العشر الأواخر؟ وكيف نفوز بليلة القدر؟