الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : روح العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
3 - رقم الاستشارة : 5112
19/06/2026
أنا شاب أُشارك في بعض الأعمال الخيرية وأحاول مساعدة الناس؛ لكنني أحيانًا أُحس بأن في نيتي رغبة في القبول الاجتماعي لدى الناس، أو في الشعور بالرضا عن نفسي، لا وجه الله فقط.
فهل هذا يُنقص أجري عند الله؟
وكيف أوجِّه نيتي إلى الله وحده وسط الإغراءات والحوافز الدنيوية؟
مرحبًا بك يا بني، وأشكرك
على تواصلك معنا، وأسأل الله أن يبارك في شبابك، وأن يتقبل منك أعمالك الصالحة،
وأن يرزقك الإخلاص في القول والعمل، وأن يثبت قلبك على طاعته، ويصرف عنك نزغات
الشيطان وهوى النفس، وبعد...
فإن الحديث عن النية
وإخلاصها هو معركة كل مؤمن الدائمة، فالقلب سُمِّي قلبًا لتقلبه، والنيات تحتاج
إلى تعهد دائم.
أثر النية المشتركة على القبول
والثواب
إن الرغبة في القبول
الاجتماعي، أو الشعور بالرضا عن النفس، تنقسم إلى حالات مختلفة، ولكل منها حكم
مختلف عن غيرها.
1- الفرح الطبيعي
بالطاعة:
إن شعورك بالفرح والراحة
والرضا النفسي بعد تقديم المساعدة هو أمر جبل الله النفس البشرية عليه، بل هو
علامة من علامات الإيمان. فالمؤمن تسرُّه حسنته وتسوؤه سيئته، كما قال نبينا e.
وإذا أثنى الناس عليك وشعرت
بالقبول بينهم، دون طلب منك أو تطلُّع مسبق للحصول على مدحهم، فهذه هبة من الله
وبشرى للمؤمن. سُئل رسول الله e: أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير، ويحمده الناس عليه؟ قال: «تلك
عاجل بشرى المؤمن» [رواه مسلم].
2- خلط العبادة بمصلحة
دنيوية:
هنا نأتي إلى ما ينبغي
الحذر منه. إذا بدأت العمل وفي قلبك حب أن يراك الناس ويمدحوك، أو كنت تقصد بالعمل
الجاه والمنزلة الاجتماعية أساسًا، فهذا هو الرياء الذي يحبط العمل، أو ينقص أجره
بحسب درجة غلبته على قلبك.
يقول الله -تبارك وتعالى- في
الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، مَن عَمِلَ عملًا أَشرك فيه معي غيري،
تركتُه وشركَه» [رواه مسلم].
فما دمت تخرج للعمل الخيري
مبتغيًا وجه الله، ثم تطرأ عليك هذه الخواطر والنوازع النفسية (طلب القبول أو
الرضا الذاتي) وأنت تدافعها وتجاهدها، فإن عملك صحيح ومقبول
بإذن الله، ولن ينقص من أجرك؛ بل إن مجاهدتك لهذه الخواطر تُكتب لك حسنات إضافية.
أما إذا استسلمت لهذه الخواطر، وأصبح المحرك الأساسي لك هو ثناء الناس، فهنا يُدخل
النقص على الأجر.
كيف توجِّه نيتك لله
وحده؟
إن بيئة العمل الخيري اليوم
-خصوصًا مع وجود وسائل التواصل الاجتماعي والتصوير وإبراز الإنجازات- مليئة
بمشتتات النية ومغريات النفس. ولتوجيه قلبك نحو الله وحده، أنصحك بالتالي:
1- اجعل لنفسك خبيئة:
من أعظم الأدوية لمرض طلب
القبول الاجتماعي أن تجعل لنفسك عبادات وأعمالًا خيرية لا يعلم بها أي كائن بشري،
حتى أقرب الناس إليك. هذه تُسمى «خبيئة العمل الصالح».
يُروى عن علي بن الحسين
(زين العابدين) رضي الله عنهما، أنه كان يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل ويطوف به
على بيوت الفقراء والأرامل ليتصدق به. وكان يقول: «إن صدقة السر تطفئ غضب الرب».
ولم يعلم الناس بأنه هو الذي كان يعولهم إلا بعد وفاته، عندما وجدوا على ظهره آثارًا
سوداء من حمل تلك الجُرُب.
2- محاسبة النية في مراحلها
الثلاث:
النية ليست كلمة تقال، ولا
مجرد شعور يستحضره العبد في بداية العمل وينتهي الأمر؛ بل هي عملية مستمرة تحتاج
إلى مراقبة في ثلاث مراحل:
- قبل العمل: اسأل نفسك بصراحة: لو أن هذا العمل الخيري أُلغي فيه التصوير
والتكريم، ولم يعلم به أحد، هل كنت ستشارك فيه بالحماس نفسه؟ إذا كان الجواب: «نعم»،
فتوكل على الله.
- أثناء العمل: إذا شعرت بنظرات الإعجاب والقبول تتجه نحوك، فاقلب هذا الشعور فورًا
إلى حياء من الله، وقل في نفسك: «يا رب، هم يمدحونني على ما يظهر لهم، وقد سترتَ
عنهم بفضلك كثيرًا من عيوبي، فاعفُ عني فيما لا يعلمون».
- بعد العمل: احذر من العُجب، وهو رؤية النفس والرضا الكامل عنها. تذكر دائمًا
قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾
[التكوير: 29]، فالتوفيق للعمل الخيري هو محض فضل من الله عليك، وليس بفضل منك.
3- الدعاء والانكسار
لله:
القلوب بين إصبعين من أصابع
الرحمن يقلِّبها كيف يشاء، ولن تستطيع الاستقلال بقلبك دون استعانة صادقة بالله عز
وجل. وروي أن النبي e كان يعلم أصحابه هذا الدعاء للوقاية من الشرك الخفي وحب الثناء،
فاحرص عليه يوميًّا: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا
أعلم» [رواه البخاري في الأدب المفرد].
توصيات عملية في العمل
الخيري:
1- انغمس في المهام الخفية: بادر أحيانًا للأعمال التي لا تُسلَّط عليها الأضواء (مثل:
التنظيف، الترتيب خلف الكواليس، إعداد التقارير...)، ودع غيرك يتصدر للمهام التي
فيها وجاهة وقبول اجتماعي. فهذا يربِّي النفس ويروِّضها.
2- تصدَّق من مالك الخاص سرًّا: بالتوازي مع جهدك البدني المعلن في الجمعية الخيرية، اجعل لك مبلغًا
يسيرًا تدفعه بيدك لفقير لا يعرفك، سرًّا، دون أن يراك أحد من زملائك.
3- لا تترك العمل خوفًا من
الرياء: إياك أن يخدعك الشيطان فيقول لك: «أنت مُراءٍ، إذن اترك العمل
الخيري». فكما قيل: «ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك، والإخلاص
أن يعافيك الله منهما». والاستمرار مع المجاهدة هو الحل.
4- تغيير زاوية النظر إلى النفس: بدلًا من أن تفرح بنفسك لأنك شخص خيِّر، افرح لأن الله استعملك
ولم يستبدلك، واجعل الفرح متمحورًا حول كرم الله وفضله عليك.
وختامًا يا بني، هنيئًا لك
هذه اليقظة، فتخوفك من الرياء وحرصك على رضا الله هو علامة على إخلاصك. فالمرائي لا
يخاف الرياء بل يطمئن إليه، أما المؤمن فهو دائم الوجل والاهتمام بقبول عمله، كما
وصفه الله -تعالى- في كتابه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ
وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: 60].
أسأل الله -سبحانه- أن يطهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب. اللهم اجعل أعمالنا كلها صالحة، واجعلها لوجهك خالصة، ولا تجعل لأحدٍ فيها شيئًا. اللهم تقبل من هذا الشاب طاعته، وسدد خطاه، واجعله مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر أينما حل ونزل. اللهم آمين.