الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : المهتدون الجُدد
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
372 - رقم الاستشارة : 2536
27/08/2025
فضيلة الشيخ، نحن نرى بوادر أمل عظيمة مع تزايد إقبال غير المسلمين على الإسلام، خصوصًا بعد مشاهد صمود المسلمين في فلسطين. لكننا نريد أن يتحول هذا الزخم إلى حركة دعوية منظمة تخدم الإسلام والمسلمين. فما هي الخطة العملية التي ترونها لتحقيق ذلك؟
الحمد لله رب العالمين، الذي كتب لدينه الغلبة والظهور، وجعل الهداية بيده، يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. والصلاة والسلام على نبي الهدى والرحمة، الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن اللحظة التاريخية التي نعيشها اليوم ليست لحظة عابرة؛ بل هي منعطف حضاري ودعوي كبير. الملايين حول العالم يتساءلون: ما سر هذا الصمود؟ ما مصدر هذه القوة الروحية؟ ومن هنا فإن الباب مفتوح للدعوة كما لم يُفتح منذ عقود طويلة.
لكن التحدي يكمن في أن الزخم وحده لا يكفي؛ لأنه إذا لم يُترجم إلى مشروع عملي، فسوف يتبدد مع مرور الوقت وتغير الأحداث. من هنا تأتي الحاجة إلى خطة واضحة المعالم، تجمع بين الأصالة الشرعية، والواقعية العملية، والقدرة على مخاطبة العالم بلغة معاصرة.
الأساس الشرعي للخطة
ولخطة الدعوة المنشودة أسس، بيانها على النّحو التالي:
1) اليقين بوعد الله، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾، هذه الآية تمنحنا ثقة مطلقة أن المستقبل لهذا الدين.
2) العمل بالأسباب: قال ﷺ: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز"؛ فالتوكل لا يعني التراخي، بل يعني التخطيط والعمل الجاد.
3) الرحمة بالناس: قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، هدف الخطة الدعوية أن يرى الناس في الإسلام رحمةً تلمس حياتهم اليومية.
مرتكزات الخطة الدعوية العالمية
1) الرسالة المركزية: إبراز أن الإسلام دين سلام وعدل وكرامة إنسانية، لا دين عنف أو إقصاء، والتأكيد على أن ما يراه العالم من صمود الفلسطينيين هو ثمرة الإيمان الحقيقي بالله.
2) المستهدفون الأساسيون (المهتدون الجدد: رعايتهم وتثبيتهم، والمتعاطفون مع الإسلام: فتح الأبواب أمامهم للتعرف أكثر، والإعلاميون والمثقفون: محاورتهم وتفنيد الشبهات).
3) الأدوات الرئيسة: الإعلام الرقمي متعدد اللغات، المؤسسات والمراكز الإسلامية، المبادرات الفردية والشبكات التطوعية، المشاريع الخيرية والإنسانية.
مكونات الخطة العملية
1) إطلاق منصات رقمية عالمية، قنوات على "يوتيوب" و"تيك توك" و"إنستغرام" بلغات مختلفة، وتقديم محتوى قصير ومؤثر: كقصص حقيقية، شهادات مهتدين، مشاهد من فلسطين، مقارنات قيمية، فضلاً عن الرد على الشبهات بطريقة علمية مبسطة.
2) برامج رعاية المسلمين الجدد، من خلال إنشاء "شبكة عالمية لرعاية المهتدين الجدد"، وكل مسلم جديد يُلحق بـ "أسرة مسلمة" أو "مركز" يتابع معه، مع توفير مناهج مبسطة: كيف يصلي؟ كيف يقرأ الفاتحة؟ ما معنى التوحيد؟ فضلاً عن إعداد برامج "التأهيل الدعوي" للمهتدين ليصبحوا دعاة في أوطانهم.
3) المشاريع الخيرية المصاحبة للدعوة: ربط العمل الإغاثي بالدعوة: "الطعام مع الكلمة الطيبة"، ومن أمثلة ذلك: توزيع الطعام على المحتاجين في الغرب باسم "المسلمون يخدمونكم حبًّا لله"، وإقامة "أيام خدمة عامة" (تنظيف شوارع – حملات تبرع دم – مساعدة لاجئين) تحت شعار "الإسلام رحمة".
4) تأهيل الدعاة لمخاطبة العالم: فلا يكفي أن نحفظ النصوص، بل يجب أن نفهم عقلية الغربيين والشرقيين، وإقامة دورات تدريبية للدعاة: "كيف تخاطب عقل غربي؟"، "كيف ترد على الإلحاد؟" إنتاج كتب ومطويات باللغات الأجنبية (الإنجليزية، الإسبانية، الفرنسية، الصينية).
5) تأسيس تحالف دعوي عالمي، ونقترح إنشاء "رابطة المراكز الإسلامية" لتوحيد الجهود بدل التشتت، فضلاً عن تبادل التجارب الدعوية الناجحة، ودعم المؤسسات الصغيرة ماليًّا وفنيًّا.
عوامل نجاح الخطة
1) التكامل بين الأفراد والمؤسسات: المسلم الفرد قد يؤثر في جاره أو زميله، لكن المؤسسات توسّع الدائرة.
2) الاستمرارية: العمل الدعوي ليس حملة مؤقتة بل هو مشروع حضاري طويل.
3) التدرج: نبدأ بالأولويات: التعريف بالله، التوحيد، الأخلاق، ثم الأحكام.
4) القدوة العملية: المسلمون هم الرسالة المتجسدة؛ إن أساؤوا ضيّعوا الدعوة، وإن أحسنوا جذبوا القلوب.
معوقات متوقعة وكيفية تجاوزها
1) التشويه الإعلامي للإسلام، ونقترح في ذلك: إنتاج إعلام بديل قوي، والاستعانة بمؤثرين غير مسلمين متعاطفين مع القضية.
2) ضعف التنسيق بين المؤسسات، ويمكن إنشاء منصات تنسيقية عالمية تشبه "مؤتمر الدعوة الرقمية".
3) فتور الحماس بعد انتهاء الأحداث، والحل: ربط الناس بالثوابت الشرعية (الإيمان – الأخوة – الرحمة) لا فقط بالعاطفة.
ويُتوقّع من ذلك المشروع:
- دخول أعداد متزايدة في الإسلام.
- بناء صورة إيجابية عن المسلمين عالميًّا.
- رعاية جيل من المهتدين الجدد يكونون دعاة مؤثرين في مجتمعاتهم.
- تعزيز وحدة الأمة حول مشروع عالمي يخدم دينها.
- تهيئة الأرضية لصحوة إسلامية عالمية متوازنة.
وختاما فإنّ الزخم العالمي الذي نشهده اليوم فرصة نادرة يجب ألا تضيع. ولتحويله إلى حركة دعوية منظمة، نحتاج إلى رؤية واضحة: فالإسلام رسالة عالمية رحيمة، كما نحتاج إلى خطة عملية: إعلام – رعاية مهتدين – عمل خيري – تأهيل دعاة – تحالف عالمي، فضلا عن الإيمان والصبر اللازمين فإنّ الطريق طويل، لكن الله وعدنا بالنصر والتمكين. ونسأل الله القبول...