كيف يتعامل الداعية مع الخلافات الحادة بين العاملين في المجال الدعوي؟

Consultation Image

الإستشارة 18/06/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا أعمل منذ سنوات في أحد المشاريع الدعوية، وقد استفدت كثيرًا من العمل الجماعي، لكنني بدأت ألاحظ مؤخرًا كثرة الخلافات بين بعض العاملين؛ فهناك اختلافات في طريقة الإدارة، وأحيانًا تنافس خفي على الظهور أو التأثير، بل إن بعض النقاشات تتحول إلى توتر شخصي يؤثر على روح الفريق والعمل كله.

وأشعر بالحزن لأن المشروع الدعوي الذي يفترض أن يجمع القلوب صار أحيانًا سببًا للتباعد وسوء الظن، كما أن بعض الشباب الجدد بدأوا يتأثرون بهذه الأجواء السلبية.

فكيف يمكن معالجة الخلافات داخل العمل الدعوي بطريقة تحفظ الأخوة وتمنع انهيار الجهود؟ وكيف يوازن الإنسان بين الحفاظ على المبادئ وبين تجنب الصدامات المرهقة؟

الإجابة 18/06/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله أيها الأخ المبارك، وبارك الله في حرصك على وحدة الصف وسلامة القلوب، فإن من أخطر ما يواجه الأعمال الدعوية أحيانًا ليس قلة الإمكانات، بل تفكك النفوس وضعف روح الأخوة والتجرد لله تعالى.

 

ولا شك أن وجود الخلاف في الأعمال البشرية أمر طبيعي؛ لأن الناس يختلفون في الطباع والرؤى والخبرات وأساليب التفكير، وحتى الصحابة رضي الله عنهم وقع بينهم اختلاف في بعض الاجتهادات، لكن الفارق الكبير أن الخلاف عندهم لم يتحول إلى تحطيم للأخوة أو تضخيم للنفوس.

 

ومن المهم جدًّا أن نفرق بين (اختلاف التنوع والاجتهاد) وبين (خلاف الهوى والتنازع). فالأول قد يكون صحيًّا ومفيدًا إذا أُدير بحكمة واحترام، أما الثاني فينشأ غالبًا من تضخم الذات أو التعصب للرأي أو ضعف الإخلاص أو سوء الظن. ولهذا كان السلف يهتمون بإصلاح القلوب بقدر اهتمامهم بإصلاح الأعمال.

 

ومن الأخطاء الشائعة في بعض البيئات الدعوية أن ينشغل الناس بالمشروعات الظاهرة بينما تُهمل التربية الإيمانية والأخلاقية للعاملين أنفسهم، مع أن القلب إذا امتلأ بالإخلاص والرحمة والتواضع خفّت حدة النزاعات وقلّ حب الظهور.

 

ولهذا فإن من أعظم وسائل العلاج تجديد النية باستمرار، وتذكير النفس بأن الدعوة لله لا للنفس ولا للمكانة ولا للتصدر. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.

 

كما أن حسن إدارة الخلاف ضرورة مهمة؛ فليس كل اختلاف يحتاج إلى مواجهة حادة أو نقاش علني، بل أحيانًا يكون الحوار الهادئ الخاص أكثر نفعًا وأقل ضررًا. ومن الحكمة كذلك اختيار الوقت المناسب والكلمات المناسبة عند معالجة المشكلات.

 

ومن الأمور المهمة أيضًا أن يتعلم العاملون في الدعوة ثقافة (العمل المؤسسي) لا (العمل الفردي)، لأن بعض التوترات تنشأ من غياب وضوح الأدوار أو تضارب الصلاحيات أو ضعف التواصل داخل الفريق. والتنظيم الواضح يقلل كثيرًا من سوء الفهم والاحتكاكات.

 

ولا تسمح للخلافات أن تُفسد صورة الدعوة أمام الشباب أو الناس؛ لأن المتابعين قد لا يميزون دائمًا بين خطأ الأشخاص وجمال الفكرة نفسها. ولذلك كان من الواجب على الدعاة أن يكونوا أكثر حرصًا على أخلاق الحوار والتعامل فيما بينهم.

 

كما أن التغافل عن بعض الهفوات من علامات النضج، فليس من الحكمة أن تُفتح المعارك بسبب كل كلمة أو تصرف، وقد قال بعض السلف: (العاقل نصفه احتمال).

 

وفي الوقت نفسه، إذا وُجد خطأ واضح أو ظلم أو تجاوز للثوابت فلا يعني هذا السكوت المطلق، لكن معالجة الأخطاء تحتاج إلى عدل وحكمة ورفق، بعيدًا عن التشهير والانفعال والتشفي.

 

واجعلوا بينكم جلسات إيمانية وأخوية وتجديد للمعاني الإيمانية؛ لأن القلوب إذا اجتمعت على ذكر الله خفّت كثير من أمراض النفوس والخلافات الصغيرة.

 

ونسأل الله أن يؤلف بين قلوب العاملين لدينه، وأن يرزقهم الإخلاص والتواضع والحكمة، وأن يجعل أعمالهم خالصة لوجهه الكريم، وأن يحفظ الدعوة من الفرقة والنزاع والخصومات المؤذية.

 

روابط ذات صلة:

إدارة الخلاف داخل العمل الدعوي المؤسسي

كيف نتعامل مع الاختلافات الفقهية والدعوية دون تمزق الصف الدعوي؟

كيف تقود فريقًا تطوعيًّا يعاني من الخلافات الداخلية؟

تحدي توحيد خطاب الدعاة في المؤسسات الدعوية الكبرى

الرابط المختصر :