الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : الأطفال
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
326 - رقم الاستشارة : 3217
05/11/2025
السلام عليكم دكتورة،
أنا أبٌ لخمسة أبناء، ثلاثة أولاد وبنتان، وأودّ أن أكون صادقًا مع نفسي ومعك في اعترافي هذا... أشعر أني أميل عاطفيًّا إلى أحد أولادي دون إخوته، وأعامله أحيانًا بلطفٍ زائد، أو أجد نفسي أدافع عنه أكثر من غيره، حتى وإن حاولت أن أكون عادلًا.
هو الأوسط بين إخوته، هادئ، ذكي، يشبهني كثيرًا في الطباع، وربما لهذا أشعر بالقرب منه أكثر، لكنّي أرى الغيرة في أعين إخوته، وأشعر بوخز الضمير كلما انتبهت لذلك.
أخاف أن أكون قد أضررت بشخصياتهم من حيث لا أدري، أو أن يتكوَّن في نفوسهم شعور بالنقص أو الكراهية تجاه أخيهم.
كيف أضبط مشاعري وأُصلح ما قد يكون أفسدته دون أن يشعروا؟ وهل من الطبيعي أن يشعر الأب أو الأم بتفاوتٍ في الميول القلبية بين الأبناء؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
شكرًا لصدقك وشفافيتك أيها الأب الكريم، فاعترافك بهذا الشعور هو في ذاته أول خطوة ناضجة نحو الإصلاح؛ لأن معظم مشكلات التحيّز الأسري تبدأ حين يُنكر الوالد أو الوالدة وجودها أصلًا.
الميل الوجداني الطبيعي
وأود أن أطمئنك أولًا بأن الميل القلبي الفطري نحو أحد الأبناء أكثر من غيره ليس خطيئة بحد ذاته، بل هو أمر إنساني تفسّره الدراسات النفسية في إطار ما يُسمّى بـ "emotional inclination" أي الميل الوجداني الطبيعي، وهو لا إرادي في كثير من الأحيان، ويتأثر بعوامل مثل التشابه في الشخصية، أو التوافق الفكري، أو حتى ترتيب المولود في الأسرة.
الآثار النفسية السلبية
لكن المشكلة التربوية لا تكمن في الشعور الداخلي، بل في السلوك الخارجي الذي يُعبّر عنه هذا الشعور؛ فحين يُترجم الميل إلى تفضيلٍ ظاهر في المعاملة، أو تساهلٍ في العقوبة، أو زيادةٍ في الثناء، تبدأ الآثار النفسية السلبية بالظهور على الأبناء الآخرين، مثل:
- أن يشعر بعضهم بالنبذ أو التهميش، مما يخلق لديهم ما يُعرف بـ inferiority complex عقدة النقص.
- وقد يتكوّن بين الإخوة صراع غير معلن يتحول إلى تنافس سلبي، أو إلى عداء مكتوم.
- أما الأخطر أن يفقد الأبناء ثقتهم في عدالة والدهم، فيتزعزع الانتماء العاطفي للأسرة.
وهنا يأتي التوجيه النبوي العظيم الذي سبق علم النفس الحديث بقرون، إذ قال ﷺ: "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم".
فالعدل هنا ليس فقط في العطاء المادي، بل في العطاء العاطفي، والابتسامة، والاحتضان، والإنصات، وهي جميعها رسائل نفسية تُشعر الطفل بأنه محبوب ومقبول لذاته لا لمزاياه.
نصائح عملية
وبشكل عملي أنصحك بالآتى:
1- اضبط سلوكك لا مشاعرك: لا تلُم نفسك على إحساس فطري، ولكن راقب تعبيراتك وسلوكك الظاهر أمام الأبناء.
2- انتبه للموازنة بين الألفاظ والعاطفة: فاحرص أن تُثني على الآخرين كما تُثني على المفضَّل، وأن تمنح كل واحدٍ "لحظته الخاصة" معك.
3- استخدم لغة المقارنة مع الابن وذاته لا مع الإخوة: قل لابنك "أحب فيك كذا"، بدلاً من "أنت أفضل من أخيك".
4- خصّص وقتًا فرديًّا لكل ابن أو ابنة: ولو دقائق من الحوار أو اللعب أو المشي معًا، فذلك يُرمّم العدالة الشعورية.
5- استعن بالدعاء، كما كان النبي ﷺ يدعو: "اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك" — أي في الميل القلبي.
* وهمسة أخيرة:
اعلم أن الأبناء لا يحتاجون والدًا مثاليًّا، بل والدًا واعيًا بأثر سلوكه ومستعدّ لتصحيحه، وهذا ما فعلتَه الآن.
فلتكن هذه الخطوة بداية إصلاح لطيف وهادئ يعيد التوازن العاطفي داخل أسرتك، وليكن شعارك التربوي قول الشاعر:
العدلُ فرضٌ وبذلُ الفضلِ نافلةٌ ** يا ابنَ الكرامِ فعدلاً ثم إفضالا
روابط ذات صلة: