لماذا يبدو الشرع كأنه يتعارض مع واقعنا المعاصر؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : الفتور والضعف
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 313
  • رقم الاستشارة : 3950
29/01/2026

السلام عليكم، أنا شاب عمري 20 سنة، أحيانًا ألاقي نفسي واقف عند مفترق طرق. قلبي يناديني ألتزم بالطاعة وأمشي على طريق الشرع، لكن عقلي يشوف التعقيدات والواقع يضغط عليّ بلا رحمة. مررت بلحظة حسّيت فيها إن الالتزام الشرعي صعب وسط متطلبات الحياة اليومية.

سؤالي: ليش الشرع أحيانًا يبان وكأنه يتعارض مع واقع الحياة؟

الإجابة 29/01/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك يا بني، وأشكرك على تواصلك معنا، وأسأل الله العلي القدير أن يشرح صدرك، وينير بصيرتك، ويثبت قلبك على الحق، وأن يجعلك من الشباب الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وبعد...

 

فإن الشعور بالفجوة بين مثالية النص الشرعي وضجيج الواقع اليومي هو صراع أزلي؛ لكنه في زماننا المعاصر اشتد بفعل التسارع المادي الهائل. لذا يمر كثيرون الآن بلحظات تساؤل مشابهة حول كيفية الموازنة بين روحانية العبادة ومشاغل الحياة.

 

وهم التعارض

 

الحقيقة التي قد تغيب عن كثيرين هي أن الشرع لم يأتِ ليكون «خارج الواقع»؛ أو ليأخذ الإنسان في معزل عن الحياة، بل جاء ليكون «نظام تشغيل» لهذا الواقع وهذه الحياة، يضع لهما الأسس والقواعد الحاكمة، وينظمهما، محترمًا إنسانيته وفطرته ومقدرًا لهما. والله عز وجل يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185].

 

و«التعارض» الذي تشعر به غالبًا ما ينبع من ثلاثة مصادر:

 

1- ضغط النمط الاستهلاكي: الواقع المعاصر يدفع الإنسان نحو المادية وتلبية دواعي الشهوات بأنواعها (البطن، الفَرْج، جمع المال...) بأي طريقة، وفي أي سبيل، والتسرع في كل شيء، بينما يدعوك الشرع للتأمل والسكينة والاعتدال وضبط الشهوات، وتصريفها في مصاريفها الشرعية.

 

2- الفهم الخاطئ للتدين: أحيانًا نتخيل الالتزام بالدين بصورة (أبيض أو أسود)، إما أن أكون عابدًا معتزلًا الحياة والناس، وإما أن أكون عاصيًا متفلتًا متبعًا للشهوات! وهذا التصور غير واقعي. فما ديننا بدين رهبانية وانعزال، ولا هو بدين مادي يترك متبعيه دون رابط ولا حاكم.

 

3- الغربة النفسية: يقول النبي ﷺ: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ غريبًا، فطوبى للغرباء» [رواه مسلم]. والغربة هنا ليست العزلة عن الناس؛ بل هي التمسك بالقيم في وسط تلاطم الفتن.

 

أسلوب الموازنة النبوية

 

إن الشرع لا يطلب منك أن تعيش راهبًا في صومعة. وانظر إلى قصة الثلاثة الذين ذهبوا لبيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادته، فكأنهم تقالُّوها (رأوها قليلة)، فقال أحدهم: أصلي ولا أنام، وقال الآخر: أصوم ولا أفطر، وقال الثالث: لا أتزوج النساء. فماذا كان رد القائد والمعلم؟

 

قال ﷺ: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» [رواه البخاري].

 

هذا الحديث هو «دستور الواقعية» الذي وضعه النبي ﷺ وطبقه، ودعا الناس إليه. إنه يوضح لنا أن الالتزام الحقيقي هو أن تكون بشرًا طبيعيًّا: تعمل، وتدرس، وتتزوج، وتستمتع بالمباحات، ولكن بـ«بوصلة الشرع الحكيم».

 

فطرة النفس البشرية

 

خرج الصحابي حنظلة بن عامر -رضي الله عنه- يبكي ويقول: «نافق حنظلة!» وعندما سأله أبو بكر ثم النبي ﷺ عن السبب، قال إنه عندما يكون عند النبي يرق قلبه وكأنه يرى الجنة والنار رأي العين، فإذا رجع إلى بيته وعافس (لاعب) الزوجة والأولاد، نسي كثيرًا مما كان عليه.

 

فأجابه النبي ﷺ بكلمات تريح القلوب: «يا حنظلة، ساعة وساعة» [رواه مسلم].

 

فهذه الـ«ساعة وساعة» هي الحل لضغط الواقع الذي تشعر به. لا يُطلب منك أن تكون في قمة التجلي الإيماني 24 ساعة في اليوم، فهذا أمر يكاد يكون مستحيلًا على الطبيعة الإنسانية؛ بل المطلوب ألا تترك حبل الله والشريعة تمامًا، وتظل متمسكًا به حريصًا عليه، متطلعًا إلى السمو في علاقتك بربك وبالناس، دون توقع المثالية، ودون إحباط إن لم تصل إليها.

 

خطوات للتعامل مع ضغط الواقع

 

1- الاستعانة بالله:

 

إن أول حقيقة يجب أن تدركها في رحلتك هي أنك ضعيف بنفسك، قوي بربك. والضغوط التي تشعر بها هي في الحقيقة أكبر من قدراتك البشرية المجردة، ولذلك شرع الله لنا في كل صلاة أن نكرر: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]. لاحظ هنا كيف قُرنت العبادة بالاستعانة؛ فلا عبادة حقة دون معونة إلهية، وكأن الله يخبرك: لا تحاول وحدك؛ بل اطلب مني العون وسأفتح لك الأبواب.

 

ومن أجمل وأعظم ما يُتوسل به في هذا المقام، هو ذلك التوجيه النبوي لمعاذ بن جبل رضي الله عنه، حين أخذ النبي ﷺ بيده، وقال له بفيض من الحنان: «يا معاذ، والله إني لأحبك، والله إني لأحبك، أوصيك يا معاذ: لا تدعنَّ في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعنِّي على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك» [رواه أبو داود].

 

إن كلمة «أعنِّي» اعتراف صريح بالضعف أمام ضغوط الواقع، وطلب للمدد الإلهي ليكون الالتزام هينًا لينًا على النفس. فإذا أعانك الله على ذكره، صار قلبك مطمئنًا وسط ضجيج الحياة، وإذا أعانك على شكره، رأيت النعم في وسط الضغوط، وإذا أعانك على حسن عبادته، تحولت الصلاة من واجب ثقيل إلى راحة نفسية تفر إليها من عناء الواقع، كما كان يقول النبي ﷺ: «يا بلال، أقم الصلاة، أرحنا بها» [رواه أبي داود].

 

2- فقه الأولويات: لا ترهق نفسك بالنوافل وأنت تجاهد في الفرائض. ابدأ بالأساسيات، وهي: إقامة الفرائض، وترك المحرمات. وهذا هو الحد الأدنى الذي يجب أن تلتزم به مبدئيًّا، ولا تتركه مهما فترت همتك، ثم اجتهد في التحسينات من النوافل والسنن وسائر الطاعات، وهذا تمامًا عين ما نصحنا به النبي ﷺ: «ما نَهَيْتُكُمْ عنْه فَاجْتَنِبُوهُ، وَما أَمَرْتُكُمْ به فَافْعَلُوا منه ما اسْتَطَعْتُمْ» [رواه مسلم].

 

3- تحويل العادات إلى عبادات: إن كان الواقع يضغط عليك بالدراسة أو العمل، فاستحضر في كل حركة وسكنة لك، فيما يضغط عليك ويشغلك، نيات لله عز وجل، كإعفاف نفسك لله، وخدمة أمتك لله، والتقوى على عبادة الله، والدعوة إلى الله... إلخ، وبذلك يصبح الواقع نفسه ميدان عبادة لله سبحانه وتعالى، وتؤجر فيه على كل ما تعمله، فالمؤمن كما قال بعض السلف «تاجر نيات».

 

4- الصحبة الصحبة: إن ضغط الواقع والحياة يقل ويصبح مقدورًا على تحمله واستيعابه، عندما تجد من يشاركك فيه، ويعينك وتعينه عليه، يقول الله عز وجل: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ولا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتَّبَعَ هَوَاهُ وكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28]. فابحث عن هؤلاء والزمهم.

 

5- الاستيعاب لا التصادم: لا تنظر للحياة والواقع والمجتمع على أنهما أعداء للدين، بل انظر للدين على أنه دليل هداية وحماية من التيه في فوضى هذه الحياة. استوعب الضغوط ولا تتصادم معها، فككها وجزئها، وتعامل مع تلك الأجزاء، كل بما يناسبه.

 

6- القليل الدائم لا الكثير المنقطع:

 

من أكثر الأسباب التي تجعل الشباب يشعرون بأن الشرع ثقيل أو معقَّد أو غير واقعي، هو محاولة القفز إلى قمة الجبل دفعة واحدة. والنفس البشرية يا بني إذا حمَّلتها ما لا تطيق تمردت عليك. لذا وضع لنا النبي ﷺ منهجًا واقعيًّا جدًا يراعي طاقتنا النفسية المحدودة وسط ضغوط الحياة.

 

تقول أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أن النبي ﷺ قال: «أحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ أدومُها وإن قلَّ» [متفق عليه]. وفي حديث آخر وجهنا ﷺ بقوله: «يا أيها الناس، خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا» [رواه البخاري].

 

هذا المبدأ يغير نظرتك للالتزام تمامًا؛ فالالتزام ليس حملًا ثقيلًا ترفعه مرة واحدة ثم تسقط؛ بل هو خطوات صغيرة متراكمة.

 

إليك هذا المثال: تخيل شخصين؛ الأول قرر أن يقرأ القرآن كاملًا في ليلة واحدة، فقرأه فعلًا، ثم هجره شهرًا! والثاني يقرأ صفحة واحدة فقط كل يوم بانتظام. في نهاية العام، سنجد أن صاحب «القليل الدائم» قد ختم القرآن عدة مرات وبقي قلبه متصلًا بالله دائمًا، بينما صاحب «الكثير المنقطع» عاش صراعًا ثم استسلم للواقع، وخسر في النهاية! وطبِّق هذا المثل على كل الأعمال.

 

إن القليل الدائم هو الذي سيبني بينك وبين الله جسرًا لا يقطعه ضجيج الواقع، ومع الوقت ستجد أن هذا القليل قد نما وبارك الله فيه، حتى أصبح جزءًا لا يتجزأ من نظامك اليومي، دون أن تشعر بذاك العبء الذي كنت تخشاه.

 

إن قطرة الماء المستمرة تنحت الصخر الأصم، ليس بقوتها، ولكن باستمرارها، فلا تحقرنَّ من المعروف شيئًا، واعلم أن الله يفرح بخطوتك الصغيرة الثابتة أكثر من قفزتك الكبيرة المتعثرة.

 

وختامًا يا بني، تذكَّر أن الله لا ينظر إلى الكمال فيك، بل ينظر إلى المجاهدة وصدق المحاولة. يقول الله تعالى: ﴿والَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]، وقال ﷺ: «والمجاهدُ من جاهدَ نفسَهُ في طاعةِ اللَّهِ» [رواه أحمد]. وفي الحديث القدسي: «وإن تقرَّب إليَّ بشبرٍ، تقرَّبتُ إليه ذراعًا، وإن تقرَّب إليَّ ذراعًا، تقرَّبتُ إليه باعًا، وإن أتاني يمشي، أتيتُه هرولةً» [رواه البخاري].

 

فأسأل الله مقلب القلوب أن يثبت قلبك على دينك، ويهديك لأحسن الأخلاق والأعمال، ويصرف عنك سيئها، وأن يجعل لك من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، وأن يرزقك من حيث لا يحتسب. اللهم آمين.

 

روابط ذات صلة:

هل يتعارض التفكير التحليلي المنطقي مع الإيمان بالله وبحكمته؟

الرابط المختصر :