الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الأخلاق والمعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
474 - رقم الاستشارة : 3867
19/01/2026
قرأت حديثًا للنبي ﷺ أنه قال لأبي ذر رضي الله عنه: «يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، لا تأمَّرَنَّ على اثنين، ولا تولَّيَنَّ مال يتيم»
فهل هذا الحديث صحيح أولًا؟
وما الضعف الذي يقصده النبي في هذا الحديث؟
وما معيار هذا الضعف حتى نقيس أنفسنا عليه ونعرف إمكاناتنا؟
وكيف لو عزف الناس عن الإمارة ورعاية مال الأيتام بحجة الضعف أو خوفًا منه؟
مرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على تواصلك معنا، وحرصك على فهم سنة النبي ﷺ وتنزيلها على واقعك العملي. أسأل الله أن يفتح عليك فتوح العارفين، وأن يرزقك البصيرة في الدين، والسداد في القول والعمل، وأن يجعلك مباركًا أينما كنت، وبعد...
صحة الحديث وسنده
نطمئنك أخي السائل أن هذا الحديث صحيح. فقد رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، بلفظ: «يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإني أُحِبُّ لك ما أحب لنفسي، لا تأمَّرَنَّ على اثنين، ولا تولَّيَنَّ مال يتيم».
وهذا الحديث يعد من أصول التربية النبوية في وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وهو لا يُنقِص أبدًا من قدر أبي ذر -رضي الله عنه- بل هو نصيحة مشفق خبير بطبائع الرجال.
معنى الضعف المقصود في الحديث
قد يتبادر إلى الذهن أن الضعف هنا هو ضعف الإيمان أو نقص في الفضل، وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة. فأبو ذر هو من قال فيه النبي ﷺ: «ما أقلَّت الغبراء ولا أظلَّت الخضراء أصدق لهجةً من أبي ذر» [رواه الترمذي].
إن الضعف المقصود هنا هو الضعف الإداري والقيادي، وليس الضعف الإيماني. ويتلخص في نقاط:
- رقة الطبع: كان أبو ذر -رضي الله عنه- زاهدًا، عابدًا، رقيق القلب، غلب عليه جانب العبادة الفردية والزهد في الدنيا.
- عدم الحزم الإداري: والإمارة وإدارة أموال اليتامى تتطلب قدرًا من الشدة في الحق، والقدرة على مواجهة الخصوم، وتدبير شؤون الناس التي تقوم على المصالح والمنازعات، وهو ما قد لا يتوافق مع طبيعة الزاهد الذي يريد الانقطاع لله.
- الشفقة المفرطة: ومال اليتيم يحتاج إلى حزم في الاستثمار والحفظ، والولاية على الناس تحتاج إلى موازنات سياسية واجتماعية قد ترهق نفس العابد الورع.
معيار الضعف وكيف نقيس أنفسنا عليه؟
المعيار الذي وضعه الإسلام للقيادة والمسؤولية يتلخص في الآية الكريمة: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26]. فالمسؤولية تقوم على ركنين:
1- القوة (الكفاءة): وهي القدرة العلمية والعملية والجسدية والنفسية على القيام بالمهام.
2- الأمانة (التقوى): وهي الرقابة الداخلية وخوف الله.
ولتعرف إمكاناتك؟ اسأل نفسك:
· هل أستطيع قول: «لا» في موضعها دون حرج؟
· هل أمتلك الثبات الانفعالي عند حدوث الأزمات والمنازعات؟
· هل لدي المعرفة (في المال أو الإدارة) التي تمنع الآخرين من خداعي؟
· هل أميل إلى المجاملة على حساب الأنظمة واللوائح؟
فإذا وجدتَ في نفسك أمانةً ولكنك تفتقر للحزم أو الخبرة في ذلك المجال، فأنت ضعيف في ذلك السياق تحديدًا، وعليك التنحي لغيرك.
ماذا لو عزف الناس عن الإمارة ورعاية اليتامى؟
إذا تعيَّنت الإمارة أو ولاية المال على شخص هو الأكفأ والأقدر، صار لزامًا عليه قبولها ولا يجوز له الاعتذار بالضعف وهو قوي. تأمل قول يوسف عليه السلام: ﴿اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 55]. فهو هنا طلب الولاية لعلمه بكفاءته وأمانته في وقت القحط.
والمجتمع المسلم كالبنيان المرصوص، فيه أبو بكر بحزمه ولينه، وفيه عمر بشدته في الحق، وفيه خالد بعبقريته العسكرية، وفيه أبو ذر بزهده وصدقه. فإذا اعتذر أبو ذر عن الإمارة، فهناك عمر أو خالد ليسد الثغر.
والترهيب من الولاية هو لمن طلبها وهو غير كفؤ لها، أو من ضيَّعها. أما من أخذها بحقها فهو من السبعة الذين يظلهم الله في ظله: «إمام عادل» [متفق عليه].
فلا خوف من العزوف الجماعي لاستحالة حدوثه عمليًّا؛ لأن النفوس مجبولة على حب التصدر، فجاءت نصوص الترهيب (مثل حديث أبي ذر) لتكبح جماح من ليس أهلًا، ولتضمن أن يدير شؤون المسلمين الأقوياء الأمناء فقط.
وختامًا أخي السائل، إن نصيحة النبي ﷺ لأبي ذر هي منتهى الرحمة به؛ حتى لا يأتي يوم القيامة محملًا بتبعات حقوق الناس وهو الذي لم يطقها في الدنيا. فاعرف قدر نفسك، واستثمر قوتك في ثغرك الذي تبدع فيه، فلكل مقام مقال، ولكل مهمة رجال.
أسأل الله العظيم أن يبصرنا بعيوبنا، وأن يرزقنا القوة والأمانة في كل ما نتولاه، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
روابط ذات صلة: