ما صحة وحقيقة دعاء النبي: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث»؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : روح العبادات
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 2145
  • رقم الاستشارة : 3132
01/11/2025

هل يصح هذا القول وما حقيقته: ‏كان الرسول ﷺ إذا ضاقت دنياه يردّد: يا حيّ يا قيّوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كلّه ولا تكلني إلى نفسي طرفة عينْ؟

الإجابة 01/11/2025

مرحبًا بك أيها السائل الكريم، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يفتح عليك أبواب رحمته وفضله، وأن ييسر لك كل أمر عسير، وأن يلهمنا جميعًا الرشد والسداد في القول والعمل، وبعد...

 

فلقد ورد هذا الحديث بروايات عدة، أهمها:

 

أ. صيغة مختصرة (دعاء الكرب):

 

وهي: «كانَ النَّبيُّ إذا كربَهُ أمرٌ قالَ: يا حيُّ يا قيُّومُ برَحمتِكَ أستغيثُ».

 

وقد أخرجها الإمام الترمذي في سننه، كما أخرجها الإمامان النسائي والحاكم، وقد صححها الحاكم بقوله: «صحيح الإسناد»، ووافقه الإمام الذهبي.

 

ب. صيغة مطولة (وصية فاطمة):

 

وهي: «قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ لفاطمةَ: ما يمنعُكِ أن تسمعي ما أوصيكِ بِهِ، أن تقولي إذا أصبحتِ وأمسيتِ: يا حيُّ يا قيُّومُ برحمتِكَ أستغيثُ، أصلِح لي شأني كلَّهُ ولا تَكلني إلى نفسي طرفةَ عينٍ».

 

وقد أخرجها الإمامان: النسائي في «السنن الكبرى»، والحاكم في «المستدرك»، وحكم عليها الحاكم كذلك بقوله: «صحيح الإسناد».

 

شرح الحديث:

 

هذا الحديث مدرسة متكاملة في التوحيد والتربية الروحية، ففيه:

 

أولًا- التوسل باسمين عظيمين: «يا حيُّ يا قيُّومُ»

 

يبدأ الدعاء بالتوسل باسمين عظيمين:

 

«الحيُّ»: هو الباقي، الذي لا يموت، المتصف بصفة الحياة الكاملة التي لا يعتريها نقص ولا زوال. وهو القادر على إحياء قلوبنا وأمورنا بعد موتها ويأسها.

 

«القيُّومُ»: هو القائم على كل شيء، القائم بنفسه، والمُقيم لغيره. هو الذي بيده تدبير كل شؤون الكون، يحفظها ويرعاها، ويسوسها. فإذا لجأنا إليه بـ القيُّوم، فنحن نعلن يقيننا بأنه هو القائم على شؤوننا، وهو الذي سيساندنا ويعيننا.

 

ثانيًا- الاستغاثة بالرحمة: «برحمتِكَ أستغيثُ»

 

هذا هو جوهر الطلب ومنطلق الدعاء. والاستغاثة هي طلب الغوث والنجدة في وقت الشدة؛ لكن النقطة المفصلية هنا هي التوسل بالرحمة، فكأننا نقول: يا رب، أنا لا أستحق الغوث بعَمَلي ولا بجهدي، ولكنني أطلبه بفضل رحمتك الواسعة التي وسعت كل شيء.

 

ثالثًا- شمولية الطلب: «أصلِحْ لي شأني كلَّه»

 

هذا الطلب جامعٌ مانعٌ، لا يترك أمرًا من أمور الدنيا والآخرة إلا وشمله. فإصلاح الشأن يشمل إصلاح الدين والدنيا، والجسد والروح، والعلاقات والمال، والعمل والأسرة. هو اعتراف ضمني بأن شؤون العبد لا يمكن أن تستقيم إلا بإصلاح الله لها.

 

رابعًا- كمال الافتقار: «ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين»

 

هذه هي قمة العبودية، إذ يتبرأ العبد من حوله وقوته، ويطلب من الله ألا يتركه إلى تصرفه واجتهاده «طرفة عين»، وهي أقل زمن ممكن، دلالة على الافتقار اللحظي والدائم لله عز وجل.

 

إن المؤمن الصادق يدرك أن كل خير هو فيه إنما هو من فضل الله تعالى، وأن الشر يأتي من ترك النفس وهواها. فإذا تُرك العبد لنفسه، ولو للحظة، ضل وتاه وضاع.

 

الخلاصة

 

والخلاصة أن الدعاء الذي اشتمله الحديث هو تجسيد للتوحيد الخالص، فنحن نستغيث بالله وحده، ونتوسل بصفاته العليا (الحي، القيوم، الرحمن)، وهذا هو لبُّ العقيدة. وطلب الإصلاح الكلي للشأن هو تسليم العبد نفسه لله. وهذا ينعكس إيجابًا على كل من حوله. فإصلاح حال الفرد يعني أن يكون زوجًا صالحًا، وأبًا رحيمًا، وابنًا بارًا، وأن يكون مواطنًا منتجًا وعاملًا أمينًا، لأن إصلاح شأنه يلزمه بإتقان عمله وإعطاء الحقوق.

 

وختامًا أخي الكريم، فإن هذا الدعاء ليس مجرد كلمات تُقال، بل هو منهج حياة، يذكرنا دائمًا أننا ضعفاء أمام قوة الله، وفقراء أمام غناه، وأن كل خير نملكه هو محض فضل منه سبحانه. فاحرص عليه واجعله وردك اليومي صباحًا ومساءً، كما أوصى ﷺ، وستجد أن الضيق يتسع، وأن الحزن ينجلي، وأن شؤونك التي كانت معقدة بدأت تنصلح شيئًا فشيئًا ببركة لجوئك إلى الحي القيوم ذي الرحمة الواسعة.

 

أدعو الله أن يجعلني وإياك ممن استقاموا على أمره، وأصلح شأنهم كله، ولم يكلهم إلى أنفسهم طرفة عين. ودمتم في رعاية الله وحفظه.

 

روابط ذات صلة:

4 أحوال للنبي ﷺ إذا أهمه أمر

عبادة الاستغاثة سبيل إلى الإغاثة

الرابط المختصر :