الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : روح العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
288 - رقم الاستشارة : 3894
21/01/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
نحن الآن في شهر شعبان المبارك، والأيام تمر سريعة، وأخشى أن يباغتني شهر رمضان وأنا لم أستعد له الاستعداد الكافي.
أنا موظفة وزوجة وأم لديّ مسؤوليات عدة؛ ما بين إدارة شؤون منزلي، ورعاية زوجي وأطفالي، والتزاماتي المهنية. غالبًا ما أجد نفسي في نهاية اليوم مستهلكة بدنيًا وذهنيًا، مما يجعلني أخشى أن يدخل رمضان وأنا في حالة من التعود الروتيني، فأفقد روحانية الشهر في المطبخ وتدبير الاحتياجات اليومية.
فكيف أجعل من شهر شعبان محطة عملية وإيمانية للاستعداد لرمضان؟
كيف أروض نفسي على الطاعة (كالصيام والقيام) وأنا أعاني من ضيق الوقت؟
كيف أنظِّم وقتي في شعبان بحيث أنتهي من التزاماتي الدنيوية (كالتسوق وتجهيز المنزل) قبل دخول الشهر الفضيل؟
وجزاكم الله خيرًا.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أيتها الأخت الفاضلة، وأسأل الله أن يبارك لك في شعبان، وأن يبلغك رمضان وأنت في تمام الصحة والعافية والإيمان، وأن يعينك فيه على الصيام والقيام وحسن القيام بمسؤولياتك، وأن يقر عينك بصلاح زوجك وأبنائك، ويجعل تعبك في ميزان حسناتك، وبعد...
فإن المؤمن الصادق هو من يستعد للقاء ربه ومواسم طاعته بقلب وجِل. وبيوتنا هي محاريبنا، وعملك وتعبك مع أطفالك ليس عائقًا أبدًا عن طاعة الله؛ بل هو طريق إليه إذا أصلحتِ النية.
كيف نجعل شعبان محطة إيمانية؟
إنَّ السلف الصالح كانوا يقولون: «شهر رجب شهر الزرع، وشهر شعبان شهر السقي، وشهر رمضان شهر الحصاد». فلا يمكن لمن لم يَسقِ زرعه في شعبان أن يرجو حصادًا وفيرًا في رمضان.
وما ينبغي لنا في شعبان لنحوز فضله وفضل رمضان بعده، الآتي:
1- إصلاح النية: إنك تقضين ساعات في المطبخ والعمل. فاجعلي كل لقمة تضعينها لأطفالك، وكل معاملة في وظيفتك، بنية «القيام على شؤون عباد الله». هنا يتحول يومك كله إلى عبادة ممتدة، تجدينها في ميزان حسناتك. فاستحضار النيات الصالحة قبل كل عمل حتى لو بدا دنيويًّا هو من ذكاء المؤمن وفطنته؛ لأن «الأعمال بالنيات» كما قال نبينا ﷺ.
2- تخلية القلب قبل تحليته: ابدئي في شعبان بـ «التخلية»؛ أي التخلص من الأحقاد، والخصومات، ومن الذنوب التي تثقل الروح. فعن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- عن النبي ﷺ قال: «يطَّلع الله إلى جميع خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن» [رواه الطبراني]. فطهِّري قلبك ليتهيأ لاستقبال رمضان.
3- صحبة القرآن: كان السلف يقولون عن شهر شعبان إنه «شهر القُرَّاء». فاحرصي على وِرد القرآن ولو كان قليلًا، فالقرآن أنس وبركة، حتى إذا دخل رمضان زدت فيه قراءة وتدبرًا.
ترويض النفس على الطاعة مع ضيق الوقت
أعلمُ أن وقتك ضيق في زحام الواجبات اليومية؛ لكن القليل الدائم خير من الكثير المنقطع، لكن يمكنك في وسط هذا الزحام أن تفعلي الآتي:
1- الصيام: كثرة الصيام في شعبان. على الأقل صيام الاثنين والخميس والأيام البيض. وتذكَّرِي حديث أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- حين سأل النبي ﷺ عن كثرة صيامه في شعبان فقال: «ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يُرفع عملي وأنا صائم» [رواه النسائي].
2- قيام الليل: حتى لو قمتِ قبل أذان الفجر بقليل، فتوضأتِ وصليتِ ركعتين خفيفتين، لكن بقلب حاضر، فإن لم تستطيعي فصلِّ ما استطعتِ بعد صلاة العشاء مباشرة، وقبل نومك، فهذا يروض نفسك على قيام رمضان.
3- استثمار الأوقات البينية: وأنت في طريقك للعمل، وأنت تغسلين الأطباق، وأنت تعدين الطعام، وأنت تنظفين بيتك، اجعلي لسانك رطبًا بذكر الله، فالذكر لا يحتاج وقتًا مقتطعًا منفصلًا، بل يحتاج قلبًا منتبهًا. كذلك يمكنك خلال هذه الأعمال سماع القرآن أو دروس التزكية والفقه.
تنظيم الالتزامات الدنيوية قبل دخول الشهر
حتى لا يضيع رمضان في الأسواق والمطابخ، لا بد من الإدارة الاستباقية للوقت في شعبان، وذلك عن طريق:
1- التسوق المبكر: ضعي قائمة بكل احتياجات رمضان (أطعمة، ملابس العيد للأطفال، هدايا... إلخ) واشتريها الآن في شعبان. لا تتركي شراء ملابس العيد للعشر الأواخر من رمضان، فهذا وقت لا يُعوَّض.
2- تجهيز وحفظ وجبات: خصصي يومًا أو يومين في عطلة نهاية الأسبوع في شعبان لتجهيز بعض الوجبات نصف المطهية وحفظها، واجعلي هدفك ونيتك توفير ساعة يومية في رمضان كانت ستضيع في الوقوف أمام الموقد، لتكون هذه الساعة للقرآن.
3- اطلبي العون: اجلسي مع زوجك وأطفالك، قولي لهم: «رمضان شهر طاعة، أريد مساعدتكم وتعاونكم». ثم وزعي المهام عليهم؛ مثلًا: الأطفال يرفعون الأطباق بعد الطعام، ويرتبون حجراتهم بأنفسهم، وزوجك يساعد في ترتيب مكتبه وأدواته... إلخ.
4- الخطة المرنة: ضعي جدولًا يوميًّا ثابتًا لرمضان يبدأ من الآن في شعبان للتدريب. يحدد: متى تنامين، متى تقرئين، متى تطبخين، متى تصلين القيام... إلخ. اجعلي الالتزام بهذا الجدول في شعبان تدريبًا لك على الالتزام به في رمضان.
وختامًا، أيتها الأخت الفاضلة، تذكَّري أن الله لا ينظر إلى كثرة العمل بقدر ما ينظر إلى صدق الإقبال. إنَّ تعبك في تربية أطفالك وخدمة زوجك وعملك هو «عبادة» عظمى إذا استحضرت النية. فلا تشعري بالتقصير؛ بل استبشري خيرًا. كوني في شعبان كالنحلة التي تجمع الرحيق، لتُخرجي لربك ولنفسك ولأسرتك عسلًا مصفَّى في رمضان.
وفقك الله وأعانك وقوَّى عزمك.
روابط ذات صلة:
مع اقتراب رمضان..كيف أحب الطاعة وأكره المعصية؟
ما صح من فضائل في شهر شعبان وحكم الصيام فيه وحكمته