الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : وساوس وشكوك
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
308 - رقم الاستشارة : 4023
04/02/2026
دائما أسمع من المشايخ عبارة أن الصحابة كلهم عدول، وأنه يجب أن نصدقهم في كل ما ثبت أنهم رووه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ونتبعهم في أفعالهم.
فما معنى أنهم كلهم عدول؟ ما مفهوم العدالة هنا؟ عدالة
وكيف يكونون كلهم عدول وقد علمنا من السيرة والأحاديث أن منهم من زنى ومن سرق ومن فعل المعاصي، هذا غير الاقتتال فيما بينهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؟
أريد إجابة وافية لأن هذه شبهة عظيمة يثيرها منكرو السنة النبوية الشريفة في أحاديثهم.
مرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على تواصلك معنا، وأسأل الله أن يبارك في عمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يثبتك على الحق، ويجعلك من حماة دينه الذائدين عن سنة نبيه ﷺ، وبعد...
فسؤالك هذا هو في صلب العقيدة الإسلامية؛ إذ يتعلق بمنهج التلقي عن النبي ﷺ الموحى إليه من ربه عز وجل، وتحصيل العلم الشرعي، وهو بالفعل ثغرة يحاول من خلالها منكرو السنة التسلل للتشكيك في المصدر الثاني للتشريع، بعد القرآن الكريم.
مفهوم عدالة الصحابة
الصحابي عند جمهور العلماء هو من لقي النبي ﷺ مؤمنًا في حياته، ومات مؤمنًا.
و«العدالة» عند علماء الحديث والأصول لا تعني «العصمة». فالعصمة للأنبياء فقط، أما الصحابة فهم بشر يجوز في حقهم ما يجوز على البشر من النسيان أو الوقوع في الخطأ أو حتى الذنب.
فالعدالة هي مَلَكَة في النفس تحمل صاحبها على التقوى وملازمة المروءة، والمقصود بها هنا: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله ﷺ.
فالصحابة كلهم عدول في «الرواية»، أي أننا نقبل ما ثبت أن واحدًا منهم نقله عن النبي ﷺ دون الحاجة للبحث في سيرته الشخصية أو تزكيته؛ لأن الله زكَّاهم من فوق سبع سماوات، وكذلك زكَّاهم من نعموا بصحبته، الرسول ﷺ، وكذلك علماء الأمة.
الأدلة الشرعية على عدالة الصحابة
من القرآن الكريم:
حفل القرآن الكريم بكثير من الآيات التي تثبت عدالة الصحابة وفضلهم، وتمدحهم، منها ما جاء بصيغة العموم، مثل:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: 143].
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110].
فالصحابة هم أول من خوطب بهذا، فهم معنيون به بالدرجة الأولى.
ومنها ما جاء على سبيل التخصيص، مثل:
﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 88 و89].
﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100].
﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 117].
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: 29].
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: 18].
فالله -عز وجل- أخبر برضاه عنهم، وهو –سبحانه- يعلم ما في قلوبهم وما سيحدث منهم مستقبلًا، ولو لم يكونوا أهلًا لهذا الرضا لما أطلقه الله عليهم بصيغة التأكيد.
من السنة النبوية:
قال النبي ﷺ: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» [رواه البخاري ومسلم].
وقال أيضًا: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلوْ أنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، ولا نَصِيفَهُ» [رواه البخاري]. والمُد هو ما يملأ الكفين، والنصيف هو النصف منه.
من أقوال جمهور العلماء والمحققين:
الذي عليه جمهور العلماء، والمحققون من أهل الأصول، أن كل من ثبتت صحبته لا يُسأل عن عدالته، ولا يُتوقف في روايته.
كيف يكونون عدولًا وقد وقعت منهم المعاصي؟
هنا مكمن الشبهة، والرد عليها يتلخص في ثلاث نقاط جوهرية:
1- الندرة وعظيم التوبة
المعاصي التي وقعت من آحاد الصحابة هي حوادث معدودة على أصابع اليد الواحدة، في مجتمع كان يضم أكثر من مائة ألف صحابي. ومن وقع منهم في ذنب، فقد طهَّره الله منه بإقامة الحد عليه في الدنيا، مع توبة نصوح لو قُسمت على أهل الأرض لوسعتهم.
فهل يُعقل أن نطعن في عدالة من شهد له النبي ﷺ بهذه التوبة العظيمة؟ إن وقوع الذنب ثم المبادرة للتطهير هو قمة العدالة والصدق مع الله.
2- العدالة لا تمنع الخطأ البشري
العدالة في الرواية تعني أنهم صادقون في نقل الدين. فمن عصى منهم لم يكذب في رواية الحديث؛ بل إن أحدهم قد يروي حديثًا في تحريم معصية قد وقع فيها ضعفًا ثم تاب، فهذا لا يقدح في صدق نقله للوحي.
3- بعضهم اجتهد فأخطأ
أما ما حدث بينهم من حروب، فموقف أهل السنة والجماعة فيه أنهم كانوا مجتهدين. منهم من أصاب فله أجران، ومنهم من أخطأ في الاجتهاد فله أجر واحد. والخطأ في الاجتهاد لا يسقط العدالة. فهم لم يقتتلوا طلبًا للدنيا، بل طلبًا للحق الذي رآه كل طرف من وجهة نظره الشرعية.
خطورة التشكيك في عدالة الصحابة
أخي الكريم، إن من يثير هذه الشبهة يهدف إلى هدم الإسلام كله بطريقة غير مباشرة. كيف ذلك؟
إن القرآن الكريم وصل إلينا عبر الصحابة، والسنة وصلت إلينا عبر الصحابة. فإذا قلنا إن الصحابة «غير عدول»، فهذا يعني أننا لا نثق في القرآن الذي نقلوه، ولا في السنة التي رووها لنا.
يقول الإمام أبو زرعة رحمه الله: «إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول ﷺ عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة».
وختامًا أخي الكريم، إن الصحابة هم الجسر الذي عبر عليه الإسلام إلينا، وهم خير خلق الله بعد الأنبياء. وما وقع منهم من هنات أو خلافات فهي مغمورة في بحار فضائلهم وجهادهم وصحبتهم للنبي ﷺ. ونحن نترضى عنهم جميعًا كما أمرنا الله، ونمسك عما شجر بينهم.
نسأل الله العظيم أن يحشرنا في زمرتهم، وأن يرزقنا حبهم والذود عنهم، وأن يقينا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم ثبت قلوبنا على دينك، وأرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه. اللهم آمين.
روابط ذات صلة:
الصحابة الكرام لا يُحبهم إلا مؤمن ولا يُبغضهم إلا منافق أو جاهل