الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : وساوس وشكوك
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
462 - رقم الاستشارة : 3996
31/01/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
نحن المسلمين نؤمن يقينًا بما قرره القرآن الكريم من أن الكعبة المشرفة هي أول بيت وضع للناس، وأن نبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل -عليهما السلام- هما من رفعا قواعده بأمر إلهي ليكون مثابة للناس وأمنًا ومركزًا للتوحيد. ولكن، عند استعراض الحقب التاريخية التالية لعهد نبي الله إسماعيل، نجد ثغرة زمنية وتاريخية تثير التساؤل:
أولًا: لماذا يبدو ذكر الكعبة "منحصرًا" في التراث العربي والقرآني، بينما لا نجد لها حضورًا مركزيًا أو ذكرًا صريحًا -بالاسم أو الموقع- في العهدين القديم والجديد (التوراة والإنجيل) كما هو الحال مع بيت المقدس؟
ثانيًا: لماذا غاب ذكر الكعبة عن سيرة الأنبياء من بني إسرائيل، كعيسى وموسى عليهما السلام، ولم تكن وجهةً لنسكهم أو قبلةً لصلاتهم في شرائعهم المسطورة، رغم أنها بيت جدهم إبراهيم؟
ثالثًا: كيف يمكن تفسير هذا "الغياب" أو "الاندراس" لذكر البيت الحرام في الكتب السماوية السابقة حتى أعاد القرآن الكريم تسليط الضوء عليها وجعلها قبلة المسلمين ومركز عبادتهم؟
هل هذا الغياب هو نتاج تحريف في الكتب السابقة؟ أم أنه كان تدبيرًا إلهيًا لاختصاص أمة النبي محمد ﷺ بهذا البيت؟ وكيف نرد على الشبهات التي تدعي أن الكعبة لم تكن معروفة قبل الإسلام خارج إطار شبه الجزيرة العربية؟
مرحبًا بك أخي الكريم، وأشكر لك ثقتك بنا وتواصلك معنا، أسأل الله العلي القدير أن يبارك في عمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يجعلك من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يثبتنا وإياك على الحق والهدى، وبعد...
ذِكر الكعبة في التوراة والإنجيل
قد يظن البعض أن غياب ذكر الكعبة هو غياب مطلق؛ لكن الفحص الدقيق يكشف أن الكعبة ذُكرت في الكتب السابقة، ولكن بأسماء أو إشارات قد لا تظهر للقارئ العادي، أو أنها تعرضت لشيء من التعتيم عبر القرون، ومن هذه الإشارات:
1- «وادي بكة» في المزامير:
ورد في المزمور 84 من العهد القديم، حديث عن الحُجاج الذين يجتازون واديًا يسمى «وادي بكة» (Valley of Baca)؛ لكنه في نسخ عربية كتبوه «وادي البكاء»، حيث يقول النص: «طُوبَى لأُنَاسٍ عِزُّهُمْ بِكَ. طُرُقُ بَيْتِكَ فِي قُلُوبِهِمْ. عَابِرِينَ فِي وَادِي الْبُكَاءِ، يُصَيِّرُونَهُ يَنْبُوعًا. أَيْضًا بِبَرَكَاتٍ يُغَطُّونَ مُورَةَ». وهذا الاسم (بكة) هو ذاته الذي ذكره القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 96]. فاللفظ العبري هو (بكا) وهو مطابق للفظ القرآني، وهذا دليل صريح على وجود ذِكر لهذا الموقع المقدس في تراث بني إسرائيل القديم. وحتى الوصف الذي جاء في النص مطابق تمامًا لواقع الكعبة والبيت الحرام (البكاء، ينبوع، بركات، يغطون مورة).
2. جبل «فاران»:
ورد في التوراة ذكر «فاران»، وهي الجبال التي سكنها إسماعيل -عليه السلام- حيث جاء في سفر التكوين عند الحديث عن إسماعيل: «وَسَكَنَ فِي بَرِّيَّةِ فَارَانَ»، والتراث الجغرافي الإسلامي يُجمع على أن فاران هي جبال مكة.
ومن هنا ندرك أن الكتب السابقة لم تغفل الموقع، بل ربطته بسكنى إسماعيل ونسله، وهم سدنة الكعبة.
لماذا لم يتكرر ذكر الكعبة مثل بيت المقدس؟
بيت المقدس كان مركز صراع الأنبياء من بني إسرائيل مع الأمم الوثنية المحيطة بهم، فكان ذكره سياسيًّا وتاريخيًّا في كتبهم أمرًا طبيعيًّا. أما الكعبة فقد أراد الله لها أن تظل في «وادٍ غير ذي زرع»، بعيدة عن صراعات الإمبراطوريات العظمى، محفوظة في حماية قبائل العرب، لتكون مهيأة لاستقبال الرسالة الخاتمة.
الكعبة وسيرة أنبياء بني إسرائيل
إن الاعتقاد بأن أنبياء بني إسرائيل لم يحجوا للبيت هو اعتقاد ناتج عن غياب التفاصيل في كتبهم الحالية، لا عن غياب الحقيقة في التاريخ الإلهي.
- حج الأنبياء للكعبة:
لقد أخبرنا النبي ﷺ بوضوح أن الأنبياء قبل الإسلام حجوا إلى الكعبة. فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِوَادِي الْأَزْرَقِ، فَقَالَ: أَيُّ وَادٍ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا وَادِي الْأَزْرَقِ، قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- هَابِطًا مِنَ الثَّنِيَّةِ، وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلْبِيَةِ...» [رواه مسلم].
وقال ابن إسحاق في «السيرة»: حدثني ثقة من أهل المدينة عن عروة بن الزبير أنه قال: «ما من نبي إلا وقد حج البيت، إلا ما كان من هود وصالح، ولقد حجه نوح، فلما كان من الأرض ما كان من الغرق أصاب البيت ما أصاب الأرض، فكان البيت ربوة حمراء، فبعث الله تعالى هودًا، فتشاغل بأمر قومه، حتى قبضه الله -عز وجل- إليه، فلم يحجه حتى مات. ثم بعث الله -تعالى- صالحًا فتشاغل بأمر قومه، فلم يحجه حتى مات، فلما بوأه الله -عز وجل- لإبراهيم حجَّه، ثم لم يبقَ نبي إلا حجه».
وروى ذلك البيهقي مختصرًا، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ حَجَّ الْبَيْتَ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ هُودٍ، وَصَالِحٍ».
وعن مجاهد قال: «حجَّ خمسة وسبعون نبيًّا، كلهم قد طاف بالبيت».
أما عن عيسى -عليه السلام- تحديدًا، فقد ثبت أنه سينزل آخر الزمان، وأنه يهل بالحج أو العمرة أو بهما معًا. فعن أبي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُهِلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ، حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، أَوْ لَيَثْنِيَنَّهُمَا» [رواه مسلم].
ورواه ابن حبان وبوَّب له: «ذكر الإخبار بأن عيسى بن مَرْيَمَ يَحُجُّ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ بَعْدَ قَتْلِهِ الدَّجَّالَ».
ومعنى «ليهلَّن»: أي: ليلبين بالحج أو بالعمرة أو بهما معًا، و«فج الروحاء» مكان بين مكة والمدينة.
وقال النووي رحمه الله: «وَهَذَا يَكُون بَعْد نُزُول عِيسَى -عَلَيْهِ السَّلَام- مِنْ السَّمَاء فِي آخِر الزَّمَان».
- اختلاف القِبلة لا يعني إنكار الكعبة:
يجب أن نفرق بين القِبلة (جهة الصلاة) وبين النُّسُك (الحج والتعظيم). قد تكون شريعة بني إسرائيل قد جعلت الصلاة باتجاه بيت المقدس لحكمة؛ لكن ظل البيت الحرام في مكة هو «البيت العتيق» المحترم عند جميع الأنبياء، لكونه بناء أبيهم إبراهيم.
تفسير الغياب والرد على الشبهات
هذا الغياب الظاهري لذكر الكعبة في الكتب السابقة للقرآن، هو نتاج تضافر عدة عوامل:
1- التحريف المتعمد:
لقد قرر القرآن الكريم أن أهل الكتاب حرَّفوا الكلم عن مواضعه. ومن أعظم وجوه التحريف هو كتمان الأوصاف المتعلقة بالنبي الخاتم وبمكانه ومسجده. يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 146]. فإخفاء ذكر مكة والكعبة كان وسيلة لمنع الناس من اتباع النبي الأُمِّي الذي سيخرج من ذلك البيت.
2- الاختصاص الإلهي لأمة محمد ﷺ:
اقتضت حكمة الله أن يكون البيت الحرام هو الرصيد الروحي للإسلام. فلو كانت الكعبة هي قبلة الأمم السابقة ومحط أنظار الإمبراطوريات، لربما تعرضت للتدنيس أو الهدم أو التغيير من قبل الوثنيين أو ملوك الروم والفرس. ولكن الله جعلها في حماية الأميين من العرب الذين عظموها بالفطرة وبالبقايا من دين إبراهيم، حتى يأتي صاحب الرسالة الخاتمة فيطهرها من الأصنام ويعيدها إلى أصلها.
3- شبهة أن الكعبة لم تُعرف إلا في جزيرة العرب:
هذه دعوى باطلة تاريخيًّا؛ فقد ذكر المؤرخ اليوناني ديودور الصقلي، الذي عاش في القرن الأول قبل الميلاد، في موسوعته «مكتبة التأريخ» وجود معبد مقدس جدًّا عند العرب في موقع يطابق وصف مكة، وقال إنه «معبد مقدس للغاية، ومبجل جدًّا من قبل جميع العرب». وهذا دليل من مؤرخ وثني أجنبي على شهرة البيت وعالميته قبل الإسلام.
وأخيرًا أخي السائل، إن اندراس ذكر البيت في كتب السابقين ما هو إلا سحابة صيف كشفها ضياء القرآن الكريم، الذي جاء مهيمنًا على الكتب السابقة، يصحح ما حُرِّف، ويظهر ما كُتم. فالكعبة هي نقطة البداية (أول بيت) ونقطة النهاية (قبلة الأمة الخاتمة)، وما بينهما كان اختبارًا للبشر في اتباع الحق.
أسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يزيدك علمًا وإيمانًا، وأن يجعل قلبك معلقًا ببيته الحرام، وأن يرزقنا وإياك حجة مبرورة وعمرة مقبولة. اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، والحمد لله رب العالمين.
روابط ذات صلة: