الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : شبهات وردود
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
78 - رقم الاستشارة : 4537
09/04/2026
منذ توقفت الحرب ظهرت أصوات في الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي تحرض بين الشعوب وتثير النعرات بينها ويحمس السفهاء على أن يشعروا الفتنة بين الشعوب.. وسؤالي ما هو دور الإعلام في صناعة الفتنة؟
أخي الكريم، ما كادت تصمت الأسلحة في الحرب الحالية، سكوتًا قد يكون مؤقتًا، حتى انطلقت أصوات على مواقع التواصل الاجتماعي وفي بعض وسائل الإعلام، تثير الفتنة بين الشعوب، وتغري السفهاء ومحترفي السباب والتهييج بأن يحتلوا صدارة الأخبار والتعليقات، فما أن يُوجه أحدُهم سبابه وألفاظه الجارحة إلى شعب معين، حتى يبادر الطرف الآخر باستدعاء مخزونه السباب واللعان، وهو ما يُحدث شقاقًا بين شعوب الأمة ومجتمعاتها وأزمة ثقة بين الأطراف تمتد وتتعمق عبر الزمن.
الفتن في وقت الحروب والأزمات، موضوع يمكن النظر إليه من أكثر من زاوية، ولكننا في هذا الاستشارة سنركز على دور الإعلام في إثارة الفتن والنعرات الانقسامية بين الشعوب، وهي فتن يستفيد منها أعداء الأمة الاستراتيجيون للوقيعة بين الشعوب.
الإعلام وإثارة الفتن
الإعلام أصبح أحد المكونات الأساسية في الحياة الإنسانية في اللحظة الراهنة؛ فالغالبية العظمى من البشر لها ارتباط بالشاشات سواء الفضائيات أو شاشة الكمبيوتر أو الموبايل، لتستقي منها أخبارها؛ فالشاشة حاضرة في بناء الوعي وتوجيه السلوك عند الكثير من البشر، والشاشة ليست بعيدة عن التوظيف والاستغلال السياسي، فمن خلال الشاشة تعبر غالبية الفتن والرؤى الانقسامية، لتعود إليها مرة أخرى في أحداث وكوارث من الواقع.
تشير دراسات إعلامية إلى أن هناك تراجعًا في الثقة في وسائل الإعلام، إذ يعتقد الكثير بأن تلك الوسائل تنشر أخبارًا كاذبة، وهذا ما أكدته استطلاعات الرأي في دول كبرى؛ ففي استطلاع أجرته شركة "إيدلمان" عام 2022م وهي أكبر شركة في العالم في العلاقات العامة والاستشارات التسويقية، حيث ذكرت أن ثلثي المشاركين يعتقدون أن الصحفيين يتعمدون تضليل الناس بأخبار يعلمون أنها كاذبة أو مبالغ فيها بشكل كبير، في المقابل، لم تتجاوز نسبة الثقة بوسائل الإعلام 39% في الولايات المتحدة و35% في المملكة المتحدة.
الوجه الآخر لهذا الاستطلاع، هو أن دور وسائل الإعلام ليس بعيدًا ولا محايدًا في إثارة بعض الأزمات والفتن؛ بل قد يكون صانعًا لها؛ فالكلمة التي تخرج من الفم قادرة على الإصلاح أو التدمير، وقد تكون بداية للصلاح أو شرارة لحرائق لا تنتهي خاصة في أوقات الصراعات والأزمات.
مخاطر الانقسام
الإعلام بما يثيره من فتن يُضعف التماسك الاجتماعي الداخلي، ويثير الأزمات الخارجية بين الشعوب، فبعض هؤلاء الذين ينشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، لا تقع أعينهم وكلماتهم إلا على الأشياء السلبية فيطرحوها ويسعوا إلى وصم الشعب والمجتمع الآخر بها من باب السخرية والتحريض والاعتداءات اللفظية الموجعة، فيكون رد الطرف الآخر بمثل هذا السوء.
وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت -في بعض الأوقات والأماكن- أداة إثارة للانقسامات، وتشير دراسات إلى أنه كلما زاد الانقسام زادت القابلية لزرع الفتنة، وأصبحت عمليات التضليل الإعلامي أكثر سهولة.
يدرك بعض مثيري الفتنة أن السياسة كمفهوم وممارسة قائم على فكرة الاستقطاب والاستمالة لطرف على حساب الآخرين، وفي ظل الصراع والأزمات السياسية تكون القابلية للفتنة أعلى، والضوابط لمنعها أقل؛ بل إن التحريض عليها يكون أكثر لأسباب متعددة قد يكون منها التغطية على فشل داخلي، أو استغلال روح الفتنة لتحقيق تماسك اجتماعي داخلي في مواجهة الآخرين، كما أن الأزمة والصراع تنشئ إحساسًا داخليًّا بأن "من ليس معنا فهو ضدنا"، ونتيجة لهذه البيئة والسياقات القابلة لتلقي الفتن والانقسامات، فإن أفكار الفتنة تجد من يسمعها ويتناقلها ويصدقها، ويشن حملات الاستهزاء والسب والانتقاص من الآخرين.
أخي الكريم، لا شك أن روح الاستقطاب هي البيئة التي تنمو فيها الفتنة، ويغيب معها الحياد والموضوعية، وتصبح المقولات والمحتوى الأكثر تطرفًا وفجاجة هو الذي ينتشر في الفضاء الرقمي ليحتل صدارة الشاشات ويفرض منطقه على الجميع، ويحاصر كل اعتدال ويحاصر الأصوات العاقلة الحريصة على العلاقات الطيبة بين الشعوب والمجتمعات.
موضوعات ذات صلة:
خطاب الكراهية دوافعه وتأثيراته
النظام الدولي.. بين القوة والمظلومية
العنصرية من أين تستمد أفكارها؟
الإبراهيمية..هل هي فكرة لتفكيك التماسك الديني؟