الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
24 - رقم الاستشارة : 5400
26/07/2026
نحن مجموعة شركاء في شركة عقارية، ووقع بيننا خلاف كبير أدى إلى فض الشراكة، ولتجنب اللجوء للمحاكم وتأخر القضايا، اتفقنا على تعيين "مُحكّم خبير" يرتضيه الجميع ليفصل بيننا وتكون كلمته ملزمة؛ فهل حكم هذا المُحكّم ملزم لنا شرعاً وقضاءً كحكم القاضي المعين من الدولة؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، الشريعة الإسلامية
جاءت بالحث على الاستقرار المالي، وحسم المادة المؤدية للنزاع، والحفاظ على أواصر
الأخوة والترابط بين الشركاء والمتعاملين. ويُعد نظام "التحكيم" من أهم
الوسائل الشرعية والقانونية التي شرعها الإسلام وأقرتها القوانين الحديثة لفض
النزاعات وتخفيف العبء عن القضاء العام، لما يتسم به من سرعة في الإجراءات، وتخصص
في نظر المسائل التجارية والعقارية المعقدة.
اختصارًا: حكم المُحكَّم الخبير الذي ارتضاه الشركاء ملزم لجميع الأطراف شرعًا وقضاءً
كحكم القاضي المعين من الدولة في القضايا المالية والتجارية، ولا يجوز لأحد
الأطراف التراجع عنه أو الامتناع عن تنفيذه لمجرد عدم موافقته لهواه.
ويجب أن يدخل الأطراف عملية التحكيم بنية صادقة لإحقاق
الحق والنزول عليه متى ظهر، وليس لمجرد المناورة أو كسب الوقت.
وفي الوقت نفسه فالمحكمون بشر يخطئون ويصيبون؛ ولذلك فإن
أحكامهم ليست لها القدسية المطلقة، ويجوز الطعن فيها واستئنافها إذا بني الطعن على
أسباب شرعية وقانونية معتبرة مثل الخروج عن نطاق التحكيم، أو مخالفة النظام العام
والنصوص القطعية، أو الإخلال بحق الدفاع، أو ثبوت التحيز، ولا يقبل الطعن لمجرد
الهوى.
وينبغي شرعًا وقانونًا تقاضي المحكّمين لأجرة معلومة
مقابل جهدهم ووقتهم، حماية لجهدهم من الضياع وضمانًا لاستقلاليتهم وتفرغهم لفحص
القضية بدقة.
وتفصيلاً:
فقد اتفق عامة الفقهاء على مشروعية التحكيم في الأموال
والعقود والمعاملات، وأنه متى استوفى التحكيم شروطه الشرعية كان حكمه نافذًا وملزمًا.
يرى جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية
والحنابلة أن عقد التحكيم إذا تم بين أطراف أهليين واختاروا محكّمًا ذا خبرة
وعدالة، فإن حكمه يلزم الأطراف تمامًا كحكم القاضي المولى من ولي الأمر.
جاء في المغني للإمام ابن قدامة الحنبلي: «وإذا حكَّم
رجلان بينهما رجلاً فـحَكَم بينهما، جاز وحُكمه كحُكم القاضي... لأن المسلمين على
شروطهم، وقد أجمع الصحابة رضي الله عنهم على جواز التحكيم».
وجاء في تبصرة الحكام في أصول الاقضية ومناهج الأحكام
لابن فرحون المالكي: «حكم المحكَّم نافذ كحكم الحاكم الذي ولّاه السلطان... وإذا
صدر الحكم لم يكن لأحد الخصمين الرجوع عنه ولا الامتناع من قبوله».
ونصت مجلة الأحكام العدلية المادة 1848 على: «حكم
المحكَّم يلزم الطرفين، وليس لأحدهما الامتناع عن قبوله بعد صدوره الصحيح».
وأقر المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم
الإسلامي في دورته العاشرة: أن التحكيم عقد ملزم يلزم الطرفين نتيجته، ويمنع رفع
النزاع إلى القضاء إلا في حالات البطلان.
ونص المعيار رقم 32 من المعايير الشرعية الصادرة
عن AAOIFI: على أن حكم الهيئة التحكيمية ملزم للأطراف وله حجية الأمر المقضي
به، ويُنفذ عبر السلطات القضائية التنفيذية.
حالات جواز الطعن على الحكم
المحكّمون غير معصومين، والقوانين والشرائع تتفق على أن
"الحكم لا يكتسب قدسية تمنع نقضه إن بُني على باطل". ولذلك فرق العلماء
والقوانين بين حالتين:
الحالات التي يجب فيها اتباع حكم التحكيم ولا يجوز
الاعتراض:
· إذا صدر الحكم وفق نطاق شرط
التحكيم الموقع من الأطراف.
· إذا راعى المحكم قواعد
العدالة الإجرائية وحق الدفاع للطرفين.
· إذا كان الحكم مبنيًا على
أدلة وسائغًا من الناحية الفقهية والقانونية.
· إذا كان اعتراض أحد الأطراف
لمجرد أنه "خسر القضية" أو أتى الحكم على غير هواه.
الحالات التي يجوز فيها الطعن/الاعتراض على حكم التحكيم
وطلب النقض والإبطال بـ "سبب":
· مخالفة الشريعة أو النظام
العام: إذا خالف الحكم نصًّا قاطعًا من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو قاعدة
قانونية آمرة.
· تجاوز حدود التحكيم: إذا قضى
المحكَّم في مسائل لم يشملها اتفاق التحكيم بين الشركاء.
· ثبوت عدم الحياد أو الإخلال
بحق الدفاع: إذا ثبت تحيز المحكم، أو قبوله رشوة، أو عدم إتاحة الفرصة الكافية
لأحد الشركاء لتقديم مستنداته.
· بطلان الاتفاق أصلاً: إذا
تبين أن شرط التحكيم كان باطلاً أو صادر من غير ذي صفة.
قال الإمام النووي الشافعي في روضة الطالبين «وينقض حكم
المحكَّم بما ينقض به حكم القاضي، وهو ما خالف النص أو الإجماع أو القواعد
الجلية».
أخذ الأجرة على التحكيم والاشتراطات الإلزامية
ينبغي ألا يُنظر إلى التحكيم التجاري والعقاري كعمل
تطوعي مجاني محض عند التنازع المعقد؛ لأن دراسة الأوراق وتدقيق الحسابات وتقويم
الأصول يتطلب جهدًا ووظيفة تستغرق وقتاً.
ويجوز بل ينبغي للمحكّمين أخذ أجرة معلومة ومحددة سلفًا
يُتفق عليها في اتفاقية التحكيم وتتوزع على الأطراف، حتى لا يشعر المحكّم أن جهده
ذهب سدى، وضمانًا لاستقلاله وعدم خضوعه لضغط طرف دون آخر.
جاء في المعايير الشرعية الصادرة عن AAOIFI معيار 32:
"يجوز تحديد أتعاب المحكم بمبلغ مقطوع أو بنسبة محددة من قيمة النزاع وفقًا
للعرف أو اللوائح المنظمة، وتعد من مصاريف التحكيم التي يتحملها الأطراف".
والمعيار الأساسي في الإسلام عند اللجوء للتحكيم هو صدق
النية في طلب الحق؛ قال الله تعالى في تحكيم الزوجين: ﴿إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا
يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 35]، فتوجه الخصوم بقلب يقبل الحق والعدل
متى ظهر هو أصل العبادة والمعاملة.
القواعد الفقهية الحاكمة في جلسات
التحكيم العرفية ومدى إلزامية أحكامها
قاعدة: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ»
تقتضي هذه القاعدة الوفاء باتفاق التحكيم المبرم بين
الشركاء، والالتزام بالنتيجة التي يتوصل إليها المحكم الذي ارتضوه حكمًا بينهم.
قاعدة: «حُكْمُ الْحَاكِمِ أَوْ الْمُحَكَّمِ يَرْفَعُ
الخِلَافَ»
بمجرد صدور الحكم الصحيح المستوفي لشروطه، ينتهي النزاع
شرعًا وقانونًا وتستقر المراكز المالية للشركاء، ولا يجوز إعادة إحياء النزاع.
قاعدة: «الرِّضَا بِالشَّيْءِ رِضًا بِمَا يَتَوَلَّدُ
مِنْهُ»
قبول الشركاء بقرار التحكيم مقدمًا هو رضا ضمني بالنتيجة
الصادرة عنه، فلا يحق لمن لم يعجبه الحكم أن ينقضه لمجرد الهوى أو الخسارة.
قاعدة: «الْعَبْرَةُ فِي الْعُقُودِ لِلْمَقَاصِدِ
وَالْمَعَانِي لاَ لِلأَلْفَاظِ وَالْمَبَانِي»
الهدف من التحكيم هو إقامة العدل وإيصال الحقوق لذويها
بسرعة وشفافية، والنية في التحكيم قائمة على التسليم بالحق ورأب الصدع بين
الشركاء. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
إصـــــــلاح القـضــــاء (1 من 2)