الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
572 - رقم الاستشارة : 3716
01/01/2026
هل هناك مقاصد للطهارة، أم العبادات الأصل فيها التعبد دون البحث عن المقاصد والعلل؟
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فلا تعارض بين الاتباع في العبادات، وهذا هو الأصل فيها، وبين البحث عن الحكم والمقاصد والمعاني، نعم الأصل في العبادات التعبد دون البحث عن المقصد، لكن هذا لا يمنع من البحث عن الحكمة حتى تطمئن قلوبنا وعقولنا إلى ما شرع الله ونزداد إيمانًا، كما قال الخليل إبراهيم عليه السلام ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي... ﴾ [البقرة: 260].
وهذا ما فعله العلماء القدامى والمعاصرون تحدثوا عن مقاصد العبادات، مثل الطهارة والصلاة والصيام والزكاة والحج.
الطهارة ليست مجرد نظافة جسدية
ولم يشرع الله تعالى الطهارة لمجرد النظافة الجسدية فحسب، بل لأهداف أسمى ومقاصد أعمق، منها:
1. الامتثال لأمر الله تعالى: المقصد الأسمى هو عبادة الله والخضوع لأمره، فالطهارة عبادة نؤديها طاعةً لله تعالى الذي أمرنا بها.
2. الاستعداد للعبادة وتهيئة النفس: الطهارة تهيئ المسلم نفسيًّا وجسديًّا للوقوف بين يدي الله عز وجل، فهي مقدمة للدخول في حضرة الملك سبحانه.
3. طهارة الظاهر والباطن: كما نطهر أبداننا من النجاسات الحسية، فإن هذه الطهارة تذكرنا بضرورة تطهير قلوبنا من أدران الشرك والحقد والحسد وسائر أمراض القلوب.
4. الحفاظ على الصحة والوقاية من الأمراض: الإسلام دين الفطرة، والنظافة جزء أساسي من صحة الإنسان، فالوضوء والغسل يقيان من أمراض كثيرة.
5. إكرام الإنسان وتجميله: الله جميل يحب الجمال، وقد أراد لعبده أن يكون في أحسن هيئة وأجمل صورة، طاهر البدن والثوب، طيب الرائحة.
الشريعة مشحونة بالحكَم المقصودة والغايات الحميدة
يقول ابن القيم – رحمه الله – في كتاب شفاء العليل:
تأمَّل أبواب الشريعة ووسائلها وغاياتها كيف تجدها مشحونة بالحكَم المقصودة، والغايات الحميدة التي شرعت لأجلها، التي لولاها لكان الناس كالبهائم، بل أسوأ حالاً، فكم في الطهارة من حِكمة، ومنفعة، للقلب، والبدن، وتفريح للقلب، وتنشيط للجوارح، وتخفيف من أحمال ما أوجبته الطبيعة، وألقاه عز النفس من درن المخالفات، فهي منظفة للقلب والروح والبدن.
1- وفي غسل الجنابة من زيادة النعومة والإخلاف على البدن نظير ما تحلل منه بالجنابة ما هو من أنفع الأمور.
2- وتأملْ كون الوضوء في الأطراف التي هي محل الكسب والعمل، فجعل في الوجه الذي فيه السمع والبصر والكلام والشم والذوق، وهذه الأبواب هي أبواب المعاصي والذنوب كلها، منها يدخل إليها، ثم جعل في اليدين وهما طرفاه وجناحاه اللذان بهما يبطش ويأخذ ويعطي، ثم في الرِّجلين اللتين بهما يمشي ويسعى.
3- ولمَّا كان غسل الرأس مما فيه أعظم حرج ومشقة: جعل مكانه المسح، وجعل ذلك مخرجًا للخطايا من هذه المواضع حتى يخرج مع قطر الماء من شعره وبشره، كما ثبت عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة قال: (إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ -أَوِ الْمُؤْمِنُ- فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ -أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ- فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ -أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ- فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلاَهُ مَعَ الْمَاءِ -أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ- حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ) رواه مسلم.
وفي صحيح مسلم أيضًا عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ: (مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ)، فهذا من أجلِّ حكَم الوضوء، وفوائده.
4- وقال نفاة الحكمة: إنه تكليف ومشقة وعناء محض لا مصلحة فيه، ولا حكمة شرع لأجلها! ولو لم يكن في مصلحته وحكمته إلا أنه سيماء هذه الأمة وعلامتهم في وجوههم وأطرافهم يوم القيامة بين الأمم ليست لأحد غيرهم، ولو لم يكن فيه من المصلحة والحكمة إلا أن المتوضئ يطهر يديه بالماء وقلبه بالتوبة ليستعد للدخول على ربه ومناجاته والوقوف بين يديه طاهر البدن، والثوب، والقلب، فأي حكمة ورحمة ومصلحة فوق هذا؟!
5- ولمَّا كانت الشهوة تجري في جميع البدن حتى إن تحت كل شعرة شهوة: سرى غسل الجنابة إلى حيث سرت الشهوة، كما قال النبي ﷺ (إِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً)؛ فأمر أن يوصل الماء إلى أصل كل شعرة، فيبرد حرارة الشهوة، فتسكن النفس، وتطمئن إلى ذكر الله، وتلاوة كلامه، والوقوف بين يديه. أ. هـ باختصار وتصرف.
والله تعالى أعلى وأعلم
روابط ذات صلة: