الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : فكر معاصر
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
190 - رقم الاستشارة : 4387
16/03/2026
توفي أمس عالم الاجتماع والمفكر الألماني اليهودي يورغن هابرماس، فما أهم آرائه فيما يتعلق بغزة والاعتداءات التي تعرضت لها، خاصة أن ذلك الرأي الذي عبر عنه إبان طوفان الأقصى يناقض مقولاته الفلسفية وينحاز ضدها لتأييد اليهود؟
أخي الكريم، يعد المفكر والفيلسوف الألماني اليهودي "يورغن هابرماس" الذي توفي أمس (14 مارس 2026م) عن 96 عامًا، من أهم علماء الاجتماع والفلاسفة المعاصرين، حيث مزجت كتابات ورؤيته الفلسفية بين الأفكار الاجتماعية والقانونية والأخلاقية والإنسانية، إلا أن أهم إسهاماته كانت قراءته ونقده الشامل للإنسان المعاصر، إذ ينتمي إلى مدرسة فلسفية مهمة في الفكر الغربي هي مدرسة "فرانكفورت" التي كان من أبرز منظريها طيلة أكثر من خمسين عامًا، تلك المدرسة التي قدمت نقدًا للأفكار المعاصرة مثل الفاشية والنازية والرأسمالية والاستهلاكية.
كان "هابرماس" مهتمًا بالعقلانية والأخلاق، وكان يرى أن من حسن طالعه أنه عاش في المجتمعات الغربية التي تتسم بالعقلانية، وأنه لا يوجد أفضل من الديمقراطية الليبرالية، وكان يتخذ موقفًا نقديًّا من العنف والثورة، ولذلك اتخذ موقفًا مناهضًا للثورة الشبابية التي اجتاحت كثيرًا من الدول الغربية في العام 1968م.
وقد تركزت فلسفة "هابرماس" على التواصل أو ما سمي بالنظرية التواصلية من خلال بناء قواعد أخلاقية كونية للتواصل والنقاش ترتكز على العقلانية بعيدًا عن الفردية أو التأثيرات الدينية أو ما كان يسميها "الميتافيزيقية"، وكانت جهوده تسعى لاكتشاف العلاقة بين القانون والأخلاق.
ورغم تلك الفلسفة التي تبتعد عن العنف وتُؤثر التواصل من خلال بناء أخلاق نابعة من العقلانية، فإن الرجل إبان الحرب الإسرائيلية على غزة كان له موقف مغاير تمامًا لما طرحه من مقولات وأفكار، فقد انحاز إلى يهوديته وأيد ما تقوم به إسرائيل من فظائع.
هابرماس وطوفان الأقصى
عقب انطلاق طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023م، بحوالي ثلاثة أسابيع فقط، أصدر "هابرماس" مع ثلاثة مفكرين ألمان آخرين بيانًا بعنوان "مبادئ التضامن" أعلنوا فيه تضامنهم مع إسرائيل، وزعموا أن رد إسرائيل مشروع على ما قامت به حماس.
وقد تعرض البيان لانتقادات واسعة لما فيه من تأييد للعدوان والإبادة، ورأى البعض أن "هابرماس" ينطلق من مركزية غربية، وأن تلك المركزية تأثرت بعنصرية الفلاسفة الألمان، وأن تفاعل هذين الأمرين يُنتج تجاهلاً لآلام الفلسطينيين، وعدم النظر إلى القضية الفلسطينية على أنها قضية تحرر وطني من استعمار عنصري، وعدم الاعتراف بحقوق الفلسطينيين.
ومن هنا فإن موقف "هابرماس" في بيانه هذا يتناقض مع دعوته للأخلاق الكونية المرتكزة على العقلانية، والغريب أن المدرسة الفكرية التي ينتمي إليها انتقدت الهولوكوست، أو المذابح التي تعرض لها اليهود على يد النازية، ورأت فيها جريمة بشرية بشعة، كما انتقدت الفلاسفة الذين كانوا على علاقة قوية مع النازية مثل الفيلسوف الألماني "هيدغر".
ويرى البعض أن أحداث غزة كانت كاشفة لكثير من الزيف، ومن ذلك زيف هؤلاء الفلاسفة الذين يتحدثون عن الأخلاق الكونية، وهم يعانون من الإفلاس في المعايير التي ترتكز عليها الأخلاق؛ لأن أهم ما يميز الأخلاق هو المعيارية، لكن ما فعله "هابرماس" أكد نسبية الأخلاق، وأن تلك النسبية خاضعة للمركزية الغربية المستعلية على الآخر، والتي لا تعترف به، أو حتى لا تراه في مقام إنساني مساوٍ لها.
موضوعات ذات صلة:
لماذا يهاجم بعض الدعاة مشروع المقاومة؟
غــزة والإلهاء الإعلامي للجماهير