الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : التخطيط الدعوي
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
25 - رقم الاستشارة : 5077
15/06/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا داعية شاب كنت نشيطًا في العمل الدعوي والتربوي لسنوات، لكنني في الآونة الأخيرة أصبحت أشعر بثقل شديد من الواقع الذي نعيشه؛ كثرة الفتن، والانقسامات، والهجوم على القيم، وسوء الفهم الذي يواجهه الدعاة، حتى صرت أميل إلى العزلة والابتعاد عن الناس والاكتفاء بإصلاح نفسي فقط
وأحيانًا أقول في نفسي: ما الفائدة من الكلام إذا كان كثير من الناس لا يريدون الاستماع أصلًا؟ ولماذا يعرّض الإنسان نفسه للضغوط والانتقاد وهو يستطيع أن يعتزل الفتن ويهتم بعبادته الخاصة؟ فهل الانسحاب من الميدان الدعوي في مثل هذا الزمن يُعدُّ تقصيرًا؟ وكيف يحافظ الداعية على توازنه النفسي والأمل في ظل كثرة الإحباطات؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، بارك الله فيك أيها الأخ الكريم، وثبّتك على الخير، وما تشعر
به من تعب نفسي أو ضيق من كثرة الفتن ليس أمرًا مستغربًا، فالداعية بشر يتأثر بما
يراه ويسمعه، خاصة إذا كان يحمل همّ الناس والإصلاح. لكن المهم ألا يتحول هذا
التعب المؤقت إلى يأس دائم أو انسحاب كامل من الواجب الذي حمّلك الله إياه.
واعلم أن طريق
الدعوة لم يكن يومًا طريقًا مفروشًا بالراحة والقبول الكامل، بل إن الأنبياء
أنفسهم واجهوا التكذيب والسخرية والعناد، ومع ذلك استمروا في البلاغ والصبر، لأنهم
يعلمون أن الهداية بيد الله، وأن وظيفة الداعية هي السعي لا التحكم في النتائج.
قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾. وهي كما قال الصالحون المصلحون: (معذرة إلى ربكم).
ومن الخطأ أن
يقيس الداعية أثره فقط بما يراه من نتائج سريعة؛ لأن التغيير الحقيقي في المجتمعات
يحتاج إلى نفس طويل وصبر وتراكم. وربما كلمة صادقة تقولها اليوم تبقى في قلب إنسان
سنوات ثم تكون سببًا في هدايته لاحقًا.
لكن في المقابل،
لا يعني هذا أن يهمل الداعية نفسه أو يعيش تحت ضغط دائم حتى ينهار نفسيًّا.
فالإسلام دين التوازن، وقد كان النبي ﷺ يراعي طبيعة النفس البشرية، وكان يخفف عن
أصحابه ويرشدهم إلى الاعتدال وعدم التكلف.
ولهذا فإن
المطلوب منك ليس الانسحاب الكامل، ولا الاستنزاف الكامل، وإنما إعادة ترتيب علاقتك
بالدعوة بصورة أكثر توازنًا. خفف بعض الأعباء إن احتجت، ونظم وقتك، وامنح نفسك
مساحة للراحة والتجديد الإيماني، لكن لا تقطع صلتك بالخير والناس.
ومن الأسباب التي
تزيد الإحباط عند بعض الدعاة أنهم يحمّلون أنفسهم مسؤولية إصلاح المجتمع كله،
بينما الحقيقة أن الإنسان مأمور ببذل ما يستطيع فقط، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا
اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
كما أن العزلة
التامة ليست دائمًا حلًّا صحيًّا؛ لأن الإنسان إذا ابتعد طويلًا عن الناس قد يفقد
حسّ الرسالة والتأثير، وربما تسلل إليه الفتور شيئًا فشيئًا. والمطلوب هو
(الاعتزال الجزئي للضجيج) لا (الهروب من الواجب).
ومن الوسائل
المهمة لاستعادة التوازن أن تجدد زادك الإيماني؛ قرآن، وذكر، وقيام، وصحبة صالحة،
وقراءة في سير الأنبياء والمصلحين، لأن الداعية إذا فرغ قلبه من الإيمان أصبح
العمل الدعوي عنده مجرد جهد مرهق بلا روح.
وحاول أيضًا أن
تركز على المجالات التي ترى فيها أثرًا حقيقيًّا بدل التشتت في كل القضايا، فبعض
الناس يفتح الله لهم باب التأثير في الشباب، وآخر في التعليم، وآخر في الإصلاح
الأسري، وآخر في المحتوى الرقمي. والتركيز يعين على الاستمرار ويقلل الشعور
بالفوضى والعجز.
وتذكر دائمًا أن
الله لا يضيع عمل المصلحين، قال تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ
الْمُصْلِحِينَ﴾.
ونسأل الله أن
يشرح صدرك، ويقوي قلبك، ويجعلك ثابتًا على طريق الخير، وأن يرزقك الحكمة والتوازن
والسكينة، وأن يكتب لك الأجر العظيم على ما تبذله من سعي ودعوة وإصلاح.
روابط ذات صلة:
قياس الأثر والنجاح في البرامج الدعوية غير المرئية
الدعوة في الفضاء الرقمي بين التأثير والتشويه