هل يقبل الله توبتي من الغِيبة؟ وكيف أعلم أنه قبلها؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : الأخلاق والمعاملات
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 165
  • رقم الاستشارة : 4384
20/03/2026

أنا دخلت في مشاكل كتير بسبب زلات لسان، وكان منها كذا في أعراض الناس، وأقسم بالله ما كنت متعمدة الأذى لحد ولا الضرر، والكلام وصل للناس مش عن طريقي، وعارفة ومتأكدة أن ده غلط وتبت توبة نصوحة وندمت، بس مش عارفة أتحلل من الناس دي.

ويعلم ربي أني تبت وندمت أشد الندم. بدعي لهم وبستغفر لهم وبتصدق ليهم دايمًا، بس مش عارفة أتحلل منهم، وعارفة أنهم اتأذوا مني، وهما عارفني، بس أنا والله عاجزة عن التحلل منهم.

كده خلاص مليش مكان غير في النار؟ مفيش أمل في قبول توبتي؟

وأعرف إزاي أن ربنا سامحني أو في أمل في قبول توبتي؟

الإجابة 20/03/2026

مرحبًا بك أختي الكريمة، وأشكرك على تواصلك معنا، وعلى مشاركتنا همَّك الذي ينمُّ عن قلب حي وضمير يقظ، يفتقدهما كثير من النفوس اليوم. بارك الله فيك، وثبَّتك على طريق الحق، وشرح صدرك بالإيمان والسكينة، وجعل ما تمرين به من ندمٍ طهورًا لك ورفعةً في درجاتك، وبعد...

 

الندم هو التوبة

 

أختي الفاضلة، إن شعورك بالضيق والخوف من لقاء الله بسبب ذنوب مضت هو في حد ذاته بشارة لك بالإيمان الصادق؛ فالمنافق يرى ذنبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا، أما المؤمن فيرى ذنبه كجبل يكاد يسقط عليه، كما أخبرنا النبي ﷺ. فهذا القلق الذي يسكنك هو المحرك الذي ساقك إلى باب الله، فلا تغلقي هذا الباب بيأسك من رحمته.

 

هل يُغلق باب الأمل؟

 

قولك: «كده خلاص مليش مكان غير في النار» هو قول يجانبه الصواب تمامًا، بل هو من مداخل الشيطان ليصرفك عن الاستمرار في الطاعة. إن الله -عز وجل- فتح باب التوبة من الشرك ومن القتل ومن الزنا، فكيف بزلات اللسان وإن عظمت؟!

 

يقول الله –تعالى- في كتابه الكريم: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]. فتأملي كلمة ﴿جَمِيعًا﴾، فهي لم تترك ذنبًا إلا وشملته بالرحمة إذا صدقت التوبة.

 

ويروي النبي ﷺ عن ربه -جل وعلا- في الحديث القدسي عن ربه: «يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي» [رواه الترمذي]. فكيف تظنين أن مكانك النار وقد وعدك الله بالمغفرة؟!

 

التحلل من حقوق العباد

 

يا أختي الفاضلة، أنت تائبة، وصادقة في توبتك؛ لكنك تخشين المساءلة أمام الله عن حقوق الناس. والقاعدة الشرعية عند الوقوع في الغيبة وأعراض الناس والرغبة في التحلل منها، أنه إذا كان إخبار الشخص بما قلتِه عنه سيزيد الفتنة، أو يسبب قطيعة، أو يؤدي لمشكلة أكبر، فلا يجب عليك إخباره والتحلل منه مباشرة. والبديل هو ما تفعلينه الآن تمامًا، وهو ما ذهب إليه جمع من أهل العلم، حيث قالوا إن توبة المغتاب ومن قذف غيره، إذا تعذر استحلاله، أن يذكره بخير، ويستغفر له، ويدعو له في مقابل ما ذكره بسوء.

 

فما تفعلينه الآن من دعاء، واستغفار، وصدقة جارية لهم، هو ما ستقابلين به هؤلاء يوم القيامة إذا طالبوا بحقوقهم؛ حيث سيجدون في ميزانهم جبالًا من الحسنات بسبب استغفارك وصدقتك، فيرضون بإذن الله؛ بل ويشكرونك!

 

كيف تعرفين أن الله سامحك؟

 

هناك علامات لقبول التوبة، يستشعرها العبد، منها:

 

- انكسار القلب: أن تجدي نفسك منكسرة خاشعة بين يدي الله، نادمة على ما فات.

 

- تبدل الحال: أن تكوني بعد التوبة خيرًا منك قبلها، وأكثر حرصًا على ضبط لسانك، والالتزام بالعبادات.

 

- بُغض المعصية: أن تشعري بضيق وحزن عندما تتذكرين تلك الأفعال وغيرها من المعاصي.

 

- تيسير الطاعات: إذا وجدتِ الله يفتح لك أبواب الخير وأبواب الدعاء لهم، فهذا دليل على أن الله يريد أن يتوب عليك.

 

وقد قال أحد العلماء لتائب رآه يبكي خوفًا من عدم قبول توبته: «يا هذا، لو لم يرد الله أن يتوب عليك، لما ألهمك الاستغفار»؛ فإلهامك الدعاء لهم هو –بإذن الله- علامة قبول التوبة ورضا الله عنك.

 

وتذكري يا أختي قصة الرجل الذي قتل مائة نفس! هل هناك ذنب أعظم من إزهاق مائة روح بغير حق؟! ومع ذلك، عندما صدق في إنابته لله وعزم على التغيير، طوى الله له الأرض وقبضته ملائكة الرحمة. إن زلات لسانك -رغم ثقلها- ليست أعظم من قتل مائة نفس، وربُّ ذلك الرجل هو ربُّك، ورحمته لا تتبدل.

 

وختامًا أختي الكريمة، اعلمي أن الشيطان يريدك يائسة لكي تتركي الطاعة، فخيِّبي ظنه، واستمري في صدقتك ودعائك لهم، واجعلي لسانك رطبًا بذكر الله. وثقي أن الله أكرم من أن يردَّ عبدًا أتاه منكسرًا تائبًا راغبًا في عفوه وفضله.

 

وفقك الله ورعاك، وشرح صدرك بفيض الإيمان به، وجميل التوكل عليه.

 

روابط ذات صلة:

اغتبتها وظلمتها.. كيف أكفِّر عن ذنبي دون أن أحرج نفسي؟

الرابط المختصر :