الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : المراهقون
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
10 - رقم الاستشارة : 5245
04/07/2026
السلام عليكم يا دكتورة،
أنا ولد عندي 13 سنة، وكتبت لك لأني بقيت مستغرب نفسي وخايف أكون وحش.
أنا عندي أخ أصغر مني بسنتين، ومن حوالي سنة تعب بمرض خلاه يقعد فترة طويلة يتعالج، وكل البيت كان مركز معاه.
ماما كانت بتصحى بالليل عشانه، وبابا كان كل يوم يوديه للدكتور، وكل الناس كانت بتسأل عليه وتجيب له هدايا.
في الأول كنت زعلان عليه جدًا، وكنت بدعي له في كل صلاة.
لكن بعد فترة... بدأت أحس بحاجة غريبة.
لقيت نفسي لما الدكتور يقول إنه اتحسن، أزعل!
ولما حرارته تعلى تاني، أحس براحة من جوايا، وبعدها أكره نفسي جدًّا.
أنا بحبه، والله بحبه، ومستحيل أتمنى له يتعب.
بس بحس إن لما يخف، كل الناس هترجع تنساني تاني.
مرة حتى ماما حضنتني وقالت لي: "أنت كبير وعاقل"
والله زعلت من الكلمة.
أنا مش عايز أبقى كبير.
أنا كمان نفسي حد يخاف عليَّ، ويسألني كل شوية: "عامل إيه؟"
نفسي ماما تحضني من غير سبب.
أنا بقيت أغير من أخويا وهو تعبان.
وبعدين أعيط.. وأقول لنفسي: "إنت إزاي تفكر كده؟"
أنا حد وحش يا دكتورة؟
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته..
ابني
الحبيب، قبل أن أجيب عن سؤالك، أريدك أن تسمع مني هذه الجملة وكأنها موجهة إلى
قلبك مباشرة: أنت لست شخصًا سيئًا، بل تفتقد شيئًا تحتاج إليه
بشدة.
هناك
فرق كبير بين أن تتمنى الألم لأخيك، وبين أن تتمنى أن تشعر أنت أيضًا بالاهتمام.
وأنا
من خلال رسالتك لم أجد طفلًا ولا مراهقًا يتمنى المرض لأخيه، بل وجدتك تقول بصوت
خافت: "هل يمكن أن يحبني أحد بهذا القدر أيضًا؟".
وهذه
صرخة احتياج، وليست صرخة حقد.
أولًا:
ماذا يحدث داخل قلبك؟
حين
يمرض أحد الأبناء، فمن الطبيعي أن تتجه معظم طاقة الأسرة نحوه، لكن المشكلة تظهر
عندما يفسر الأخ السليم هذا التغير تفسيرًا آخر.
فبدلًا
من أن يقول: "أخي يحتاج إلى رعاية الآن".
يقول
عقله دون وعي: "إذن أنا لم أعد مهمًّا".
وهنا
يبدأ ما يسميه علماء النفس الحرمان العاطفي المدرك.
لاحظ
الكلمة جيدًا..
إنه
حرمان مدرك، وليس بالضرورة حرمانًا حقيقيًّا؛ فقد يكون والداك يحبانك بنفس الدرجة،
لكن الظروف أجبرتهما على توجيه معظم الاهتمام إلى أخيك المريض. إلا أن الابن لا يقيس الحب بالنوايا، بل بالوقت، والاحتضان، والنظرات،
والكلمات.
ثانيًا:
لماذا حزنت عندما قالوا لك: "أنت كبير"؟
لأن
هذه العبارة حملت رسالة خفية.
وكأنها
تقول: "لأنك قوي، فلن تحتاج إلى الحنان".
وهذه
من أكثر الرسائل التي تؤلم الأطفال.
فالطفل
لا يريد أن يكون "قويًّا" على حساب احتياجاته النفسية.
بل
يريد أن يشعر أن قوته لا تحرمه من الاحتواء.
وفي
علم النفس الأسري يسمى هذا أحيانًا بالتوقعات الناضجة المبكرة، حين يُطلب من الطفل
أن يتصرف أكبر من عمره بسبب ظروف الأسرة.
ثالثًا:
الغيرة ليست دائمًا دليلًا على قلة الحب..
وهذه
نقطة مهمة جدًّا.
كثير
من الآباء يظنون أن الغيرة تعني الكراهية.
لكن
الحقيقة أن الغيرة غالبًا ما تعني: "أنا أخاف أن أفقد مكاني".
وهذا
ما يسمى قلق التعلق (Attachment Anxiety). فالطفل لا يغار لأن أخاه محبوب، بل يغار
لأنه يخشى أن يصبح هو أقل حبًّا.
ولهذا
وجدتك تقول في نهاية رسالتك: "أنا بحبه، والله بحبه." وهذه الجملة وحدها تكشف أن المشكلة ليست في أخيك، وإنما في احتياجك أنت.
رابعًا:
ماذا تفعل الآن؟
1-
توقف عن معاقبة نفسك.
كلما
جاءك هذا الشعور، لا تقل: "أنا وحش".
بل
قل: "أنا محتاج اهتمام، وهذا لا يجعلني سيئًا".
وهذا
ما يسمى في العلاج النفسي التعاطف مع الذات (Self-Compassion).
فالقسوة
على النفس لا تعالج المشاعر، بل تزيدها.
2-
اقترب من أخيك أكثر.
ساعده
في شيء يحبه.
العب
معه، وادعُ له.
لأن
المشاركة الإيجابية تقلل الغيرة، بينما المقاطعة تزيدها.
وهذا
يساهم في تنمية الترابط الأخوي، وهو من أقوى عوامل التوازن الأسري.
* رسالة إلى كل أب وأم:
أيها
الأب الكريم.. وأيتها الأم الفاضلة..
إذا
ابتُلي أحد أبنائكما بمرض، فلا تنسيا الابن السليم.
فالطفل
الذي يبدو هادئًا قد يكون أكثرهم احتياجًا.
وقد
يظن بعض الآباء أن قولهم: "أنت كبير" يكفي لتعويضه.
لكن
الطفل يسمعها أحيانًا بمعنى آخر كأن يفهمها: "دورك في الاحتضان انتهى"،
ولهذا احرصا على دقائق قليلة كل يوم تكون لهذا الابن وحده. عناق، ابتسامة، حديث، دعاء.
فالحب
الذي يُقال، ويُرى، ويُلمس، يبني في قلب الطفل حصانة نفسية لا تصنعها الكلمات
العامة.
قال
تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. والعدل بين الأبناء لا يكون في العطايا المادية فقط، بل في إشعار كل
واحد منهم أنه محبوب، ومرئي، ومسموع، وله مكانة محفوظة في قلب والديه، حتى وإن
اختلفت ظروف الرعاية من وقت إلى آخر.
* همسة أخيرة:
يا
بني، لا تخجل من قلبٍ اشتاق إلى حضن أمه، ولا من عينٍ تمنت نظرة اهتمام من أبيها؛ فالاحتياج
إلى الحب ليس ضعفًا، بل هو من فطرة الله التي فطر الناس عليها.
وتذكر
دائمًا أن أخاك ليس منافسك في المحبة، بل شريكك فيها. فقلوب الوالدين لا تُقسَّم
كما تُقسَّم الأشياء، وإنما تتسع لكل أبنائها.
وأرجو
أن تؤمن بأن طلب الحنان أجمل بكثير من كتمان الألم، وأن التعبير عن احتياجك بلطف
خيرٌ من أن يترجم هذا الاحتياج إلى غيرة تؤلمك وتؤلم من حولك.
روابط
ذات صلة: