الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : الشباب
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
11 - رقم الاستشارة : 6024
01/10/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنا شاب أبلغ من العمر ثمانية وعشرين عامًا، ولي أخت تصغرني بثماني سنوات، وأعتبرها أقرب شخص إلى قلبي.
أختي خلوقة، ومجتهدة في دراستها الجامعية، ولا تحب أن تزعج أحدًا.
لكن منذ سنوات وأنا ألاحظ شيئًا يوجعني كلما رأيته.
فهي تعتذر باستمرار.
إذا اتصلت بها ولم ترد لأنها كانت نائمة، تبدأ المكالمة بقولها: "آسفة جدًا".
وإذا تأخر النادل في المطعم عن إحضار طلبها، تعتذر له هي!
وإذا اصطدم بها أحد في الطريق، تكون أول كلمة تقولها: "أنا آسفة".
بل إن والدتي إذا كانت متعبة أو حزينة لأي سبب، تقول لها أختي: "أكيد أنا السبب.. سامحيني".
وفي الأسبوع الماضي تعرضت لموقف غريب.
كانت تعمل على مشروع جامعي مع زميلاتها، وإحداهن لم تُنجز الجزء المطلوب منها، فتأخر المشروع كله.
ومع ذلك وقفت أختي أمام الأستاذ، وقالت: "أعتذر يا دكتور.. التقصير مني".
وعندما عدنا إلى المنزل، سألتها: "لماذا تحملتِ خطأ ليس خطأك؟".
فقالت وهي تنظر إلى الأرض: "أنا أرتاح عندما أعتذر.. حتى لو لم أكن مخطئة".
ثم أضافت: "أخاف أن يغضب الناس مني".
ومن يومها وأنا أفكر... هل الاعتذار المستمر خلق حسن؟ أم أنه أصبح مشكلة تحتاج إلى علاج؟
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته..
ابني
الكريم.. لفتت انتباهي جملة أختك: "أنا أرتاح عندما أعتذر".
فهذه
الجملة تختصر معاناة نفسية لا ينتبه إليها كثير من الناس.
فالاعتذار
خلق نبيل عندما يكون في موضعه، لكنه إذا أصبح عادة في كل موقف، حتى دون خطأ، فإنه
يتحول من فضيلة إلى عبء نفسي.
أولًا:
الاعتذار ليس المشكلة، لكن ما الدافع إليه..
هناك
فرق كبير بين أن يعتذر الإنسان لأنه أخطأ، وبين أن يعتذر لأنه يخشى فقدان محبة
الناس. ومن خلال وصفك، يبدو أن أختك لا تعتذر عن الخطأ، وإنما تعتذر لتمنع أي
احتمال لحدوث خلاف.
وهذا يرتبط بما يسمى في علم النفس: Conflict Anxiety أي القلق من حدوث الخلاف. فهي تشعر أن الاعتذار السريع يطفئ أي توتر، حتى لو كان على حساب نفسها.
ثانيًا:
لماذا يتحول الاعتذار إلى عادة؟
قد
يكبر بعض الأبناء وهم يعتقدون أن مسؤوليتهم هي الحفاظ على رضا الجميع.
ومع
الوقت يتكون لديهم اعتقاد داخلي: "إذا غضب أحد، فلا بد أنني السبب".
وهذا
يدخل ضمن ما يسمى بالشخصنة، وهي أحد (التشوهات المعرفية)، حيث ينسب الإنسان إلى
نفسه مسؤولية أمور لا علاقة له بها.
ثالثًا:
الاعتذار المبالغ فيه قد يضعف احترام الآخرين..
قد
تظن أختك أن كثرة الاعتذار تجعلها أكثر لطفًا، لكن الواقع أن الاعتذار إذا جاء في
غير موضعه، قد يجعل بعض الناس يحملونها مسؤوليات ليست عليها، أو يستغلون شعورها
بالذنب. ولذلك فإن التوازن هو المطلوب.
رابعًا:
ساعدها على استبدال التعبير المناسب بالاعتذار..
ليس
كل موقف يحتاج إلى كلمة "آسف"، فقد يكفي أن تقول:
"شكرًا
على انتظارك".
"أقدر تفهمك".
"أشكرك على صبرك".
وهذا
الأسلوب يُعرف في بعض برامج التدريب على التواصل بأنه تحويل لغة الذنب إلى لغة
التقدير، وهو يساعد على التواصل الإيجابي دون تحميل النفس ما لا تحتمل.
خامسًا:
ذكّرها أيضا أن رضا الناس غاية لا تُدرك..
لو
عاش الإنسان يعتذر لكل أحد، فلن يستطيع أن يرضي الجميع.
ولهذا
قال النبي ﷺ: "ومن التمس رضا الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه
الناس". فالميزان الصحيح هو أن يرضي الإنسان ربه، ثم يتعامل مع الناس بالعدل
والأدب، لا بالخوف المستمر.
سادسًا:
وإليك تدريب عملي قد يساعدكما:
أنصحها
لمدة أسبوع أن تتوقف قبل أي اعتذار، وتسأل نفسها ثلاثة أسئلة:
-
هل ارتكبت خطأً حقيقيًا؟
-
هل أملك دليلًا أنني السبب؟
-
هل يحتاج الموقف إلى اعتذار، أم إلى توضيح أو شكر؟
هذا
التدريب ينمّي Self-Monitoring،
أي مراقبة الأفكار والسلوك قبل الاستجابة.
سابعًا:
رسخ عند اختك أن الاعتذار قيمة، ولكن إذا بقي في مكانه الصحيح..
قال
الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، فكما أن الإنسان ينبغي ألّا
يتهرب من خطئه، كذلك ينبغي ألّا يحمل أخطاء غيره. فالعدل يبدأ مع النفس، ثم يمتد
إلى الآخرين.
همسة
أخيرة:
إلى
كل فتاة رقيقة القلب:
لا
تجعلي كلمة "آسفة" جسرًا تعبرين به إلى رضا الجميع.
اعتذري
عندما تخطئين، فهذا من شيم الكرام.
أما إذا لم تخطئي، فلا تعتذري عن وجودك، ولا عن رأيك، ولا عن حقك، ولا عن حدودك. فالإنسان الواثق لا يكثر من الاعتذار، ولا يتهرب منه، وإنما يضعه في موضعه الصحيح.
وتذكري
دائمًا أن الخُلق الحسن لا يعني أن تتحملي ذنبًا لم ترتكبيه، وإنما أن تتحملي
مسؤولية ما فعلتِه فقط بعدلٍ وصدق.
روابط
ذات صلة: