أشعر أن نجاحي يخسرني صديقاتي!

الإستشارة
  • المستشار : د. أميمة السيد
  • القسم : المراهقون
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 2
  • رقم الاستشارة : 5205
28/06/2026

السلام عليكم يا دكتورة أميمة..

أنا بنت عندي 15 سنة، وفي أولى ثانوي.

يمكن مشكلتي غريبة شوية، لكن بجد بقيت مخنوقة من نفسي.

أنا من وأنا صغيرة بحب المذاكرة، والحمد لله دايمًا بطلع من الأوائل، والمدرسين بيحبوني، وأهلي بيفرحوا بيا.

لكن من حوالي سنة، حصلت حاجة غيرتني.

كان عندي صاحبة قريبة جدًا مني، وكنا تقريبًا بنعمل كل حاجة مع بعض. ولما طلعت الأولى على الفصل، الناس كلها فضلت تمدحني قدامها، وهي يومها زعلت جدًّا، ومن بعدها بدأت تبعد عني.

حاولت أكلمها، لكنها قالت لي: "إنتِ شايفة نفسك علينا."

الكلمة دي كسرتني.

من ساعتها بقيت كل ما ييجي امتحان، أقول لنفسي: "مش لازم أجيب الدرجة النهائية."

وأوقات بسيب سؤال أنا عارفة إجابته، أو أكتب بسرعة عشان أغلط، أو أراجع الورقة مرة واحدة بس.

حتى لو المدرس سأل سؤال وأنا عارفة إجابته، بسكت.

بقيت بخاف أبان شاطرة.

حاسّة إن نجاحي بيخسرني الناس.

أنا نفسي أرجع زي الأول، لكن كل مرة أنجح فيها أحس بالذنب.

هل أنا أنانية؟ ولا فيّ حاجة غلط؟

الإجابة 28/06/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..

 

ابنتي الغالية...

 

قرأت رسالتك أكثر من مرة، ولم أرَ فيها فتاة متكبرة كما وصفك البعض، بل رأيت قلبًا رقيقًا يخشى أن يخسر من يحب، حتى لو كان الثمن هو التخلي عن جزء من أحلامه.

 

وهذا النوع من المشاعر يحدث أكثر مما يتصور الناس، خاصة في مرحلة المراهقة، حين يصبح الانتماء إلى الأصدقاء حاجة نفسية شديدة الأهمية.

 

ولكن ما أريد أن أحدثك عنه اليوم هو أن الحب الحقيقي لا يطلب منك أن تصغري نفسك حتى يطمئن الآخرون.

 

أولًا: لماذا تفعلين ذلك؟

 

ما تصفينه يسمى في علم النفس التقليل المتعمد من الإنجاز.. وهو سلوك يلجأ إليه بعض الأشخاص خوفًا من نتائج النجاح، وليس خوفًا من النجاح نفسه.

 

وفي حالتك، ليس الامتحان هو المشكلة، وإنما الفكرة التي ترسخت داخلك، وهي: "إذا تفوقت سأفقد من أحب"، وهذا ما يسمى أيضًا (الخوف من الرفض الاجتماعي). لقد أصبح عقلك يربط بين التفوق وفقدان العلاقات، رغم أن العلاقة الصحية ينبغي ألا تقوم على هذا الشرط.

 

ثانيًا: هل أنتِ مسؤولة عن مشاعر الآخرين؟

 

لا.

 

أنتِ مسؤولة عن أخلاقك، وتواضعك، واحترامك للناس، لكنك لستِ مسؤولة عن غيرة الآخرين أو طريقة تفسيرهم لنجاحك.

 

فقد يفرح بك الصديق الصادق، بينما يغضب منك من يقارن نفسه بك باستمرار.

 

وهذه ليست مشكلة نجاحك، وإنما مشكلة نظرته هو إلى نفسه.

 

ثالثًا: ما الذي حدث لصديقتك؟

 

قد تكون مرت بما يسمى المقارنة الاجتماعية (Social Comparison).

 

بدلًا من أن تجعل نجاحك دافعًا لها، جعلته معيارًا تحاكم به نفسها.

 

وعندما ضعفت ثقتها بذاتها، فسرت نجاحك على أنه تقليل من قيمتها.

 

لكن هذا لا يعني أنك أخطأت.

 

رابعًا: انتبهي إلى ما يحدث لتقديرك لذاتك..

 

حين بدأتِ تتعمدين الخطأ، لم تعودي تعاقبين درجاتك فقط، بل بدأتِ ترسلين إلى نفسك رسالة خفية تقول: "حتى أُحَب.. يجب أن أقلل من نفسي"، وهذا اعتقاد خطير؛ لأنه يهز تقدير الذات (Self-esteem)، ويجعل الإنسان يربط قيمته برضا الآخرين.

 

والحقيقة أن الله سبحانه وتعالى لم يخلقك لتعيشي نسخة مصغرة من قدراتك، بل أمرك بالإحسان والإتقان.

 

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.

 

وقال رسول الله ﷺ: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه» فالإتقان عبادة، وليس سببًا للخجل.

 

خامسًا: كيف تستعيدين توازنك؟

 

- ابدئي بتغيير الفكرة الأساسية في ذهنك.

 

فبدلًا من قول: "لو نجحت سأخسر الناس".

 

قولي: "الناس الذين يحبونني حقًا، سيفرحون بنجاحي"، وهذا جزء من إعادة البناء المعرفي.

 

- ثم دربي نفسك على الإجابة في الفصل، ولو مرة واحدة في الأسبوع، ثم زيدي العدد تدريجيًّا.

 

ولا تجعلي نجاحك وسيلة لإثبات التفوق على الآخرين، بل اجعليه وسيلة لشكر الله على نعمه.

 

سادسًا: عودي نفسك على أن تختاري من يبقى في حياتك..

 

الصديق الحقيقي لا يخاف من نور صديقه، بل يستضيء به.

 

أما من يريدك أقل ذكاءً أو أقل نجاحًا حتى يشعر بالراحة، فهو لا يحبك كما ينبغي.

 

فالعلاقات الصحية -حبيبتي- تقوم على الدعم المتبادل (Mutual Support)، لا على كبت المواهب.

 

*همسة أخيرة:

 

يا ابنتي، لا تطفئي نورك حتى لا يضايق أعين الآخرين، فالنور خُلق ليضيء، لا ليعتذر عن إشراقه.

 

كوني متواضعة، نعم... لكن لا تكوني معتذرة عن نعمة وهبها الله لك.

 

فقد يخسر الإنسان صديقًا لأنه نجح، لكنه إذا خسر نفسه فلن يعوضه أحد عنها.

 

روابط ذات صلة:

الرابط المختصر :